على أطراف مدينة أسوان، حيث تمتزج روعة نهر النيل بسحر التاريخ، تقع الجبانة الفاطمية، أو كما يطلق عليها البعض "أقدم الجبانات فى العالم الإسلامى"، شاهدة على معارك الفاتحين المسلمين وملوك النوبة، وضرب المثل فى فن العمارة الإسلامية المبكر وتعتبر هذه الجبانة بمثابة البقيع الثانى بعد البقيع بالمدينة المنورة، إذ دفن فيها العديد من الصحابة والتابعين منذ القرن الأول الهجرى، لتظل رمزًا حيًا لتاريخ أسوان وعراقتها الدينية والمعمارية.
أقدم الجبانات وأثر المناخ على حفظها
قال الأثرى إسماعيل سيد، مفتش الآثار الإسلامية بأسوان، إن الجبانة الفاطمية أطلقت عليها هذا الاسم نظرًا لانتشار القباب الفاطمية على أرضها بشكل معمارى فريد، لكن تاريخها الحقيقى يعود إلى القرن الأول الهجرى، كما أثبتت حفرياتنا الأخيرة داخل المقابر التى كشفت عن قبور إسلامية تعود لعام 31 هجريًا، مما يعكس عمر الجبانة الحقيقى.
وأضاف، أن المناخ الجاف فى أسوان ساهم بشكل كبير فى حفظ المقابر، إذ حافظ على مبانٍ كانت مشيدة بأضعف مواد البناء مثل الطوب اللبن، فى حين اقتصرت استخدامات الحجر الرملى على شواهد القبور فقط نتيجة الوضع الاقتصادى لأهالى المنطقة آنذاك.
وأشار، إلى أن الجبانة الفاطمية تمتد على جبانتين رئيسيتين: الجبانة القبلية والشمالية والجبانة البحرية أو الجنوبية، وتضم المقابر من رقم 1 حتى 55، بالإضافة إلى مقابر لا تحمل أرقامًا وحتى قبل عام 1930، كانت الجبانة تحتوى على نحو 80 مقبرة متفرقة، لكن توسع المدينة وفتح الشوارع أدى إلى هدم العديد منها، ولم يبق إلا نماذج متفرقة تحفظ جزءًا من التاريخ الإسلامى بأسوان.
طراز معمارى فريد للقباب الفاطمية
وأوضح الأثرى إسماعيل سيد، أن المقابر الفاطمية بأسوان تتميز بطابع معمارى يعتمد على الطوب اللبن المغطى بالجص، مع استخدام القباب نصف الكروية التى تعلو حجرات الدفن، لافتاً إلى أن فكرة القباب قائمة على مبدأ لدى المذهب الشيعى يقوم على بناء القبة فوق القبر، وتكشف القباب الفاطمية التاريخ المعمارى لأشكال القباب التى تتنوع بين مربع ومثمن، كما شهدت الجبانة خطة لترميم عدد من هذه القباب الأثرية.
وتابع، أن المقابر بنيت على نظام الحوائط الحاملة، مع إدخال مواد أخرى كالأجر، خاصة فى العقود وورقاب القباب، كما ظهرت شرائط حجرية فى بعض المقابر مثل رقم 13 و25 و10 من المجموعة الشرقية للجبانة القبلية، بالإضافة إلى تكسيات جصية فى مقابر أخرى مثل رقم 12 و31 و5. ويعد استخدام الطوب اللبن مع هذه اللمسات الحجرية والجصية نموذجًا واضحًا على براعة المعماريين المسلمين فى العصر الفاطمى، رغم محدودية الموارد.
الجبانة وارتباطها بالتاريخ العسكرى والديني
وترتبط الجبانة الفاطمية بأسوان بعدد من الأحداث التاريخية الهامة، إذ كانت ميدانًا لمعركة بين الفاتحين المسلمين وملوك بلاد النوبة الذين اعتنقوا الدين المسيحي، وذلك فى القرن الأول الهجرى، بعد سقوط شهداء من الفاتحين، تم دفنهم فى هذه المنطقة، ليصبح هذا الموقع لاحقًا مركزًا لمقابر الصحابة والتابعين، وهو ما جعلها تحظى بمرتبة كبيرة بين أقدم الجبانات فى العالم.
كما تضم الجبانة مجموعة من الأضرحة التى تعود لشخصيات بارزة فى الدولة الفاطمية وأهالى أسوان، أبرزها قبة الـ77 وليًا، المعروفة بأنها مدفن لأولياء الله الصالحين، بالإضافة إلى ضريح السيدة زينب، ضريح الحسن والحسين، وقبة بلال، وكلها تعكس الطابع الدينى والاجتماعى للمنطقة خلال القرون الإسلامية المبكرة.
الموقع الجغرافى وأهمية الجبانة السياحية
وتقع الجبانة بالقرب من منطقة مقياس النيل بجبل الطابية، وتشرف على مشهد بانورامى رائع لنهر النيل وجزر أسوان، ما يجعلها مزارًا يجمع بين جمال الطبيعة وأصالة التاريخ، ومن أبرز المبانى التاريخية بالجبانة، يوجد أقدم خزان لتخزين وترشيح المياه فى مصر، بناه الملك فؤاد الأول، وكان يستخدم لتخزين المياه، مما يعكس اهتمام الحضارة الإسلامية بالمرافق العامة والصحية منذ قرون طويلة.
وعلق الأثرى إسماعيل سيد: "تجذب المقابر الفاطمية الباحثين فى مجال العمارة الإسلامية، نظرًا لأنها نموذج للفن المعمارى المبكر فى صعيد مصر، وما زالت تحتفظ بتفاصيلها المدهشة التى تشمل الطراز المعمارى الفاطمى والقباب المتنوعة، والتى لم يسبق لها مثيل فى مواقع أخرى بالمحافظة".
الجبانة بين التاريخ والحاضر
وعلى الرغم من التحديات، تبقى الجبانة الفاطمية شاهدة على أصالة أسوان التاريخية والدينية والمعمارية، ومكانًا يجمع بين عبق التاريخ وروعة الطبيعة وتبرز أهمية الحفاظ عليها ليس فقط كموقع أثري، ولكن أيضًا كمصدر معرفى عن حياة المسلمين فى الصعيد الأقصى منذ القرن الأول الهجرى وحتى القرن السابع.
ويؤكد مفتش الآثار الإسلامية، أن الجبانة الفاطمية تعد إرثًا لا يقدر بثمن، ويجب العمل على دمجها ضمن البرامج السياحية، مع الحفاظ على قدسيتها كمدفن للموتى، وذلك بما يتوافق مع التطوير الحضرى فى أسوان، وتابع قائلاً، إن زيارة الجبانة تمنح الزائر فرصة للغوص فى أعماق التاريخ الإسلامى المبكر، والتعرف على براعة المعماريين المسلمين فى استخدام الموارد المحدودة، بالإضافة إلى الاستمتاع بمشهد بانورامى لنهر النيل، وهو ما يجعل الجبانة الفاطمية بأسوان إحدى أبرز الوجهات التاريخية والثقافية فى مصر.

القبة-من-الداخل

القباب

القباب-الفاطمية

الجبانة-فى-أسوان

البقيع-الثانى

الأشكال-الهندسية-للقباب-من-الداخل

الأشكال-الداخلية-الهندسية

الأثر-الفاطمى-للقباب

محراب

صحفى-اليوم-السابع