دينا عبد العليم تكتب: صحاب الأرض يقضى على عقدة ( هى حلوة بس لو) ويستبدلها بعبارة (كل حاجة مظبوطة بالشعرة)

الخميس، 05 مارس 2026 02:30 م
دينا عبد العليم تكتب: صحاب الأرض يقضى على عقدة ( هى حلوة بس لو) ويستبدلها بعبارة (كل حاجة مظبوطة بالشعرة) دينا عبد العليم

فى كثير من الأعمال الدرامية يخرج المشاهد بعد الحلقة الأخيرة وهو يحمل جملة متكررة: “العمل حلو… بس لو كان كذا”، أو “كان ممكن يبقى أفضل لو حذفوا المشهد ده”، وكأن الدراما العربية اعتادت أن تترك خيطًا صغيرًا مفكوكًا فى ثوبها. لكن مسلسل (صحاب الأرض) جاء ليكسر هذه القاعدة، ويقضى على عقدة “هى حلوة بس لو”، ويستبدلها بعبارة أكثر يقينًا ودقة: (كل حاجة مظبوطة بالشعرة).

منذ اللقطة الأولى، يدرك المشاهد أنه أمام عمل لم يُترك فيه شىء للصدفة. الكادر هنا ليس مجرد إطار للصورة، بل لغة قائمة بذاتها. الكاميرا تتحرك بحذر، كأنها تعرف تمامًا أين تقف ومتى تقترب ومتى تبتعد، فتجعلنا نرى غزة لا كخلفية للأحداث فقط، بل كشخصية حية تتنفس بين الأنقاض والوجوه.

اللون أيضًا لم يكن تفصيلًا عابرًا. سيطرة اللون الرمادى فى معظم المشاهد لم تكن مجرد اختيار جمالى، بل تعبير بصرى عن حياة معلقة بين الغبار والانتظار. ومع ذلك، كانت هناك ومضات لون صغيرة تظهر أحيانًا، كأنها تقول إن الحياة رغم كل شىء ما زالت تقاوم.

أما الموسيقى التصويرية فجاءت كأنها نبض خفى داخل المشاهد. لا تتقدم لتفرض نفسها، ولا تختفى فتترك اللحظة صامتة. بل تتسلل بهدوء لتكمل الإحساس، فتجعل المشهد أكثر عمقًا دون أن تسرق الضوء من الممثلين. حتى أغنية التتر بدت كأنها مدخل شعورى للعمل كله، تهيئ المشاهد للدخول إلى عالم الحكاية قبل أن تبدأ.

السيناريو بدوره كان واحدًا من أكثر عناصر العمل جمالًا وإحكامًا، ومعبرًا عن أسطورة غزة. لحظات الحزن جاءت صامتة بلا صراخ، فالحزن رفاهية لا يملكها أهل غزة، يودعون شهيدًا على عجل ثم يهرولون لإنقاذ مريض.

ومن التفاصيل اللافتة فى العمل أن أسماء الشخصيات لم تكن مجرد أسماء، بل بدت وكأنها تحمل ظلالًا رمزية مرتبطة بطبيعة الدور. كأن الكاتب أراد لكل اسم أن يكون جزءًا من الحكاية، معبرًا عن كل ركن من أركان القضية، لا مجرد علامة تعريف بالشخصية.

أما الأداء التمثيلى فكان أشبه بأوركسترا متناسقة. لا أحد يعلو صوته فوق الآخر، ولا أحد يغيب عن اللحن. الانفعالات جاءت صادقة، لا مبالغ فيها ولا باهتة. كل ممثل بدا وكأنه يعرف تمامًا أين يقف شعوريًا داخل المشهد.

ويُحسب للعمل أيضًا استعانته بخبراء ومتخصصين فى بعض التفاصيل المهنية، خاصة الطبية والواقعية المرتبطة بالحرب وحالات المرضى، وهو ما منح المشاهد إحساسًا بالصدق والدقة، وجعل الأحداث أقرب إلى الحقيقة منها إلى الخيال الدرامى.

حتى النهاية جاءت على نفس القدر من الاتزان. لم تكن صادمة لمجرد الصدمة، ولا مفتوحة بلا معنى، بل بدت كخاتمة طبيعية لمسار طويل من البناء الدرامى المستند على أحداث حقيقية، فلم يقدم حالة انتصار أو هزيمة، بل اختار الواقعية المطلقة، (لم ينتهِ القصف .. لن تنتهِ الحياة).

لهذا ربما كان أهم ما حققته حلقات (صحاب الأرض) أنه أعاد ثقة المشاهد فى فكرة العمل المتكامل. عمل لا يحتاج بعده إلى جملة “بس لو”، لأن كل تفصيلة فيه بدت محسوبة بدقة.

باختصار، لم يكن المسلسل مجرد حكاية تُروى، بل تجربة درامية كاملة، جعلت المشاهد يخرج منها بجملة واحدة فقط (كل حاجة مظبوطة بالشعرة)




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة