بين ضفتي النيل هناك حياة موازية لا تعرفها الطرق ولا تطأها الأقدام، عالم خاص تهتز فيه المراكب الخشبية مع حركة التيار، وتحمل فوقها بيوتا كاملة وأسر اختارت أن يكون النهر موطنها الدائم.
هناك لا جدران تحيط بالمكان ولا أبواب تغلق، فقط ماء ممتد وسماء مفتوحة وحياة تمضي بإيقاع مختلف بعيدًا عن صخب البر.
في هذا العالم الهادئ يبدأ الصباح مبكرًا مع نسمات الندى الأولى ويستيقظ الأطفال على همس المياه بدلا من أصوات المنبهات بينما يستعد الرجال والنساء ليوم جديد من العمل متكئين على مهنة ورثوها جيلا بعد جيل لا تعرف الاستسلام وتعتمد على الصبر والإيمان بالرزق.
حكايات أسر تعيش على أمواج المياه
عاش «اليوم السابع» يوما كاملا وسط سكان النيل، للاقتراب من تفاصيل حياتهم اليومية، والاستماع إلى قصصهم وفهم سر ارتباطهم بالمياه، وكان اللقاء الأول مع محمد حماد كبار المراكبية الذي عبر ببساطة عن اختياره للحياة فوق النيل مؤكدًا أنه ليس مجرد مكان للعمل بل عمر كامل عاشه منذ طفولته.
وقال محمد حماد لـ اليوم السابع: أنا مولود فى النيل والصيد بالنسبة لى ليس مهنة عادية بل إرث عائلي قديم نشأت عليه وتعلمته من والدى وورثت المهنة لابنائى وأحفادى و هم يشاركونى الحياة والعمل على المركب، فنحن جميعا نعيش فى مراكب بجانب بعضها ونعمل سويا ونعيش حياة عادية مثل أى أسرة.
وأضاف حماد: في المركب نعيش حياة كاملة مثل البيوت العادية على البر وكل شىء ممكن نحتاجه فى البيوت موجود مثل المطبخ وأدوات الصيد وتليفزيون وشعلة بوتجاز وبطاطين، انا أمتلك بيت 3 أدوار فى محافظة المنوفية لكنى أحب أعيش فى المركب ونادرا لو سافرت المنوفية.
ويصف حماد الحياة على المركب قائلا: الفارق الوحيد بين البيت على البر والمركب هو الجدران، أما الإحساس بالأمان والانتماء فلا يختلف فكثيرين يتمنون تجربة الحياة على النيل رغم انها قد تبدو شاقة للبعض، لكنها بالنسبة لينا فهى تمثل الحرية والراحة الحقيقية، أنا لو خيرونى بين حياتى فى المركب أو الحياة فى قصر الملك فاروق لاخترت المركب، أنا بحب النيل ومولود فيه وعايش فيه من 59 سنة يعنى عمرى كله فيه ولا أعرف أعيش فى مكان غيره.
الأطفال بين النيل والمدرسة
رغم الحياة غير التقليدية يحرص الآباء على تعليم أبنائهم، حيث يلتحق الأطفال بالمدارس على البر ويعودون إلى النيل لقضاء أغلب أوقاتهم مع أسرهم، كما يتعلم الصغار السباحة في سن مبكرة باعتبارها مهارة أساسية للحياة في هذا العالم وسط متابعة دائمة من الأسرة.
وقال نجله أحمد محمد: إن البقاء فوق المركب يمنحنى إحساسًا بالطمأنينة لا أجده في أي مكان آخر والنيل أصبح جزءًا من روحى و لا استطيع الانفصال عنه لفترات طويلة، هنا أعيش مع زوجتى وأبنائى ووالدى ووالدتى، اتمنى أن يكون لابنائى مستقبل ويكونوا أطباء ومهندسين وصيادين أيضا فهى مهنتنا الأساسية، وانا الحمد لله علمت أطفالى العوم لحمايتهم من أى مخاطر.
وأضاف: احنا شغالين فى الصيف والشتاء ولكن الموسم بتاعنا الأساسى هو شهر سبتمبر الرزق بيكون أكتر من أى شهر غيره، واحنا هنا عندنا رزق اليوم بيومه وكل يوم بحال واللى بنجيبه بنصرفه ومش بنحرم نفسنا من أى حاجة ولا بنحرم ولادنا والحمد لله مستورة.
الزوجة سند لزوجها حتى فى الصيد
وقالت أم أحمد زوجة كبار الصيادين محمد حماد لـ اليوم السابع: اتعلمت الصيد لأكون بجانب زوجى وأشاركه يومه وحياته على المركب والحمد لله مبسوطين على المركب، نستيقظ يوميا لنصطاد السمك ثم انتقل للسوق لابيع ما رزقنا الله بيه فى يومنا مهما كان كميته ثم أعود لمنزلى لأشارك زوجات أبنائى فى إعداد الطعام على المركب، ومن أكثر الأكلات الشهيرة عندنا "الملوخية بالسمك"، أحلى من ملوخية الأرانب أو الفراخ، حياتنا بسيطة لكنها جميلة وراضيين بما قسمه الله لنا.
رزق يوم بيوم.. وصبر لا ينفد
يعتمد سكان النيل على رزق غير ثابت يوم يأتي محملا بالخير وآخر يمر بهدوء، لكن الصبر هو القاسم المشترك بينهم، وبين ضفتي النهرتستمر هذه الحكايات الإنسانية حيث يظل النيل أكثر من مجرد مصدر رزق بل بيتا مفتوحا وذاكرة وحياة كاملة.

أسر فى النيل

أطفال النيل

المراكب

حياة النيل

زوجة إحدى الصيادين

سكان النيل