رامي المتولى يكتب: فن الغياب والعودة في دراما رمضان 2026

الأربعاء، 04 مارس 2026 01:00 ص
رامي المتولى يكتب: فن الغياب والعودة في دراما رمضان 2026 رامي المتولي

 موسم رمضان 2026.. استمرار للتأكيد على قوة البنية التحتية لواحدة من أهم روافد القوة الناعمة المصرية؛ وهي صناعة الدراما التليفزيونية. فمصر لديها أساسًا وبناءً ممتدًا منذ انطلاق التليفزيون كمشروع قومي في ستينيات القرن الماضي، وحتى الآن مع التطور الكبير الذي شهدته هذه الصناعة على مر العقود المنصرمة.


وتأتي أبرز ملامح قوة وثبات هذا البناء في القدرة على التجدد مع دمج الخبرات السابقة. يظهر هذا بوضوح لو تابعنا فقط اختيارات الممثلين في الأعمال المعروضة خلال الموسم، والتي تشهد ظاهرة تكررت في أعوام قليلة مضت ومستمرة هذا العام بقوة، ألا وهي بحث صناع المسلسلات عن أسماء مشهود لها بالكفاءة والثقل الفني كانت غائبة جزئيًا عن موسم دراما رمضان.


يتجلى هذا الغياب والعودة في أقصى صوره مع الفنان الكبير طارق الدسوقي، الذي كان آخر ظهور رمضاني له عام 2017 من خلال مسلسل "قضاة عظماء"، وقبله "أخت تريز" عام 2012، ليعود ويتألق هذا العام من خلال شخصية منصور الجوهري في مسلسل "علي كلاي". والأقل ابتعادًا، الفنان أحمد سعيد عبد الغني، المشارك هذا العام في عملين هما "على قد الحب" و"وننسى اللي كان"، بعد غياب عامين فقط منذ آخر مشاركاته الرمضانية في مسلسل "بعد النهاية" عام 2024.


ما بين طارق الدسوقي وأحمد سعيد عبد الغني، هناك العديد من المشاركات والنجوم في مختلف مواقع البطولة يقدمون أفضل أداءاتهم منذ سنوات. والبعض الآخر تمثل عودته حالة خاصة؛ حيث استقبل الجمهور هذه العودة بحفاوة بالغة كما حدث مع سحر رامي، أو من خلال عودة منتظرة ومرتقبة لهند صبري وغيرها من الأسماء التي نجحت في أن تكون الإضافة للأعمال المشاركة فيها، خاصة مع جودة هذه الأعمال الفنية. الأمر الذي يعد أيضًا كونه ذكاءً من الفنانين في اختيار خطواتهم؛ حيث يسعى الكثيرون إلى عدم الظهور المتكرر والمتتالي في الموسم، حتى تظل بينهم وبين الجمهور شعرة تجعل من حضورهم وغيابهم محفزًا لرغبة الجمهور في متابعة أعمالهم باستمرار.


طارق الدسوقي وسحر رامي هما أكثر عودتين في دراما 2026 أثرًا على الجمهور، وواضح ذلك من ردود الأفعال على "السوشيال ميديا" على شخصياتهما في "علي كلاي" و"اتنين غيرنا". لكن ما الذي فعله النجمان هو ما رسخ نجاح هذه العودة وجعلها أكثر احترافية؛ بداية من الاختيار، ثانيًا استدعاء الخبرات الكبيرة التي كوناها خلال سنوات العمل لتكون خير معين لهما في هذا الموسم التنافسي الصعب. حيث تخلى طارق الدسوقي عن إضافة الشعر المميزة التي لازمته خلال سنوات عمله الماضية، ليظهر بشكل أكثر واقعية يعبر عن "معلم" في سوق قطع غيار السيارات يأمر وينهى وفي الوقت ذاته رب لأسرة كبيرة مكونة من زوجة وأولاد وأخت وابنتها. ودعم أداءه صورة الشخصية الوقورة التي تخفي وراءها ماضيًا مدمرًا لعلاقته بأقرب أبنائه إليه وهو علي كلاي (أحمد العوضي). استعان فقط بإضافة الشعر في مشاهد الفلاش باك التي أظهرته أصغر سنًا وقت ولادة علي، ومع استخدام تقنيات تكنولوجية بشكل احترافي ظهر مع أبطال القصة وهم محمود البزاوي، ألفت عمر، وانتصار وهم أصغر.


سحر رامي لم تكن بنفس حجم غياب طارق الدسوقي، حيث ظهرت منذ ثماني سنوات في المسلسل الرمضاني "رحيم" الذي حظي بنجاح ومتابعة كبيرين، ومثل بدوره عودة شديدة الاختلاف وقتها للنجم محمد رياض. وإن لم يكن لشخصيتها آنذاك نفس التأثير الذي تحظى به شخصيتها "ميرفت" في مسلسل هذا العام "اتنين غيرنا"، والذي تقدم من خلاله شخصية أم لرجل كبير وفتاة في بداية مرحلة الشباب، دون أن يمثل ذلك أي رفض للشخصية وعدم تقبل أو شعور بعدم التجانس بين أفراد العائلة في المسلسل، خاصة أنها لم تكسر الصورة الذهنية التي يحتفظ بها الجمهور لها، وهو ما يؤكد على أهمية عنصر "الكاستنج" فنيًا وأن الاختيارات الصحيحة والمناسبة تدفع باقي فريق العمل والمسلسل ككل إلى الأمام.


بعد "هجمة مرتدة" عام 2021، غابت كلٌ من الفنانتين ماجدة زكي وهند صبري عن دراما رمضان، وشهد الموسم الحالي عودتهما في مسلسلي "رأس الأفعى" و"على قد الحب" بشخصيات فاطمة وغرام. الأخيرة تقدمها هند صبري ومستوحاة من أحداث حقيقية تعود إلى ثمانينيات القرن الماضي؛ حيث كانت منطقة الباطنية الوكر الأساسي لتجارة المخدرات، أي أننا أمام تفاصيل مصرية صرفة. وكعادة اختيارات هند صبري، لا يمثل لها هذا الطابع المصري أي تحدٍ؛ على العكس، تجيد إبراز التفاصيل الاجتماعية والثقافية في الشخصيات التي تقدمها دون أي حاجز يتعلق باللهجة أو شكل الأداء. لكن التحدي الحقيقي الذي واجهته في قرب أحدث الشخصيات التي تقدمها وهي غرام أو المعلمة مناعة تاجرة المخدرات، هو ارتباط الشخصية عند الجمهور بشخصيتها في فيلم "إبراهيم الأبيض" حورية، والتي ربما تتقاطع معها في بعض الخطوط. لكن المشاهد الأولى في المسلسل حسمت التحدي لصالح هند صبري، التي أثبتت قدرة كبيرة على تقديم شخصية أخرى لها سماتها وتفاصيلها المختلفة عن حورية. تعامل هند صبري مع الشخصية احترافي، ظهرت بملامح مختلفة عنها، ومع التقارب الشديد، باعدت هند ما بين غرام وحورية قدر الإمكان، بالشكل الذي يجعلها واحدة من أهم الفنانات الموجودات على الساحة حاليًا، خاصة مع رسم الشخصية الجيد وتحول مراحلها من زوجة وأم إلى زعيمة عصابة ظهرت عليها تغيرات شخصية وشكلية واضحة تفصل بين الحالتين التي قدمتهما هند صبري.


عودة الفنانة الكبيرة ماجدة زكي في "رأس الأفعى" بشخصية "فاطمة" تأتي بمنتهى النعومة، ومثل شريكتها في مسلسل 2021 غابت عن الموسم الرمضاني خمس سنوات الأمر الذي منح ظهورها في 2026 استقبالًا خاصًا، على الرغم من أنها تقدم شخصية ربما تبدو نمطية ومنطقة آمنة بالنسبة لها وهي الأم والجدة، والتي أيضًا تمتلك من خفة الظل ما يجعلها شبيهة بعدد من الشخصيات التي سبق وقدمتها، لكن الفيصل هنا في التنوع الذي تقدمه في الشخصية نفسها، فهو ليس مجرد دور نمطي لملء الفراغ وأن تبدو صورة هذه الأسرة مثالية، على العكس هي عضو فاعل يعكس صورة الأم المصرية ربة الأسرة التي تقودها بعد وفاة الزوج وتتعامل بحسم وحكمة حتى مع تقدم الأبناء في العمر وتكوينهم لأسر بدورهم، لكنها ما زالت توجه وترأب أي صدع. بصورة أخرى، ماجدة زكي عبرت ببساطة وعمق عن ملايين السيدات في مصر وبمنتهى السلاسة، مما منح ثقلًا دراميًا لشخصيتها على وجه الخصوص وللمسلسل عمومًا، خاصة وأن هناك خطًا واضحًا لنماذج الأمهات بصور متنوعة حرص المؤلف هاني سرحان على وجودهم في سيناريو المسلسل ليصلوا إلى الهدف الدرامي المقصود من وجودهم لا لمجرد الوجود فقط بتأثر سطحي وسريع.


على الجانب الآخر من عودة ماجدة زكي تأتي عودة أخرى قوية وفي نفس المسلسل، من خلال أداء النجم شريف منير لشخصية القيادي في جماعة الإخوان محمود عزت، والذي لا يعبر عن عدو شرير تقليدي في مسلسل ينافس البطل، بل عدو للشعب المصري وقيم الدولة المصرية، من خلال قيادة الشخصية التي يعيد إحياءها على الشاشة لجماعة إرهابية تخريبية. هنا لا مجال للاعتماد على الوسامة وأداء لرب أسرة معتاد قدمه بنجاح في عدة أعمال سابقة، هناك مكياج وأداء حركي ولازمات تقرب الشخصية الحقيقية للمشاهد، وهي المهمة التي تظهر بشكل واضح قدرات شريف منير كممثل كبير ذي خبرة مع قدرة على أداء انفعالات مختلفة وعلى مستويات مستغلًا تحكمه في أدوات متنوعة لتمنح الشعور بكبر السن في الحركة والخوف والحزم والخبث، والقلق في تفاعل الشخصية مع المواقف التي تتعرض لها.


استعاد ماجد الكدواني موقع البطولة مرة أخرى في رمضان 2026، على الرغم من تفضيله للظهور الخاص أو البطولات الجماعية في أعماله الأخيرة في مواسم رمضان، مثل "الهرشة السابعة" (2023) وقبله "ولاد ناس" و"الاختيار 2"، إلا أن عودته هذا العام بشخصية د. مصطفى في "كان يا مكان" تبدو قريبة الشبه لطبيعة الشخصيات التي يفضلها؛ معقدة ومركبة في إظهار المشاعر. الفارق أنه بطل الأحداث وكل التفاصيل تدور حول شخصيته، يستعرض خلالها الكثير من المشاكل التي تواجه العلاقات أيًا كانت: زوجية، أبوية، أخوية. أداء تلقائي وهادئ بلا ضجيج وفي الوقت ذاته عميق يعكس فهمًا شديدًا للشخصية ودوافعها ودوافع من حولها. هذا المسلسل يشبه كثيرًا أداء الكدواني التمثيلي ويعبر عنه، وعلى الرغم من أنه يبدو بسيطًا وسهلًا وحتى مملًا للبعض ممن يرغبون سرعة وحبس أنفاس وأحداث متلاحقة وأزمات، إلا أن ما يقدمه أبطال المسلسل من أداءات وفي مقدمتهم ماجد الكدواني هي أصعب ما يمكن، وهذه العودة لماجد الكدواني من العلامات المميزة الحقيقية في الدراما التليفزيونية في الفترة الأخيرة.


التنوع والتحديات المتتالية هو عنوان اختيارات منة شلبي الفنية بشكل عام. بعد أن قدمت "تغيير جو" في 2023، تعود هذا العام بواحد من أهم مسلسلات الموسم وهو "صحاب الأرض"، وكما هي العادة يعتمد اختيار الشخصية على قضية أكبر تمنحها الدراما صوتًا وتدفع دفعًا للحوار المجتمعي. هذا العام هي طبيبة في قطاع غزة وقت العدوان الصهيوني بعد أحداث 7 أكتوبر، بالشكل الذي يضعها ومعها فريق المسلسل كله في تحدٍ كبير لتصديهم بعرض رأي ملايين المصريين فيما حدث وموقعهم منه، وهي مهمة ثقيلة عليها كإنسانة وكممثلة، فأدنى استسهال أو تحول الأداء للخطابة والنمطية يضيع التأثير فورًا، وتضيع بوصلة الهدف.. وكالعادة ملأت منة شلبي المكان وقدمت أداءً تلقائيًا على مستوى المسلسل والحدث، والمصداقية التي عبرت بها منة ضخمت كثيرًا من التأثير ورد الفعل على المسلسل بالتبعية.


أحدث العائدين بعد غياب قصير هو أحمد سعيد عبد الغني.. أو أحد "جواكر" أدوار الشر في الدراما التليفزيونية. قدرته على تقديم أبعاد الشر الذي يختبئ صاحبه خلف الوجه السمح والهدوء هي مساحة يجيدها ويجيد تقديمها بتنوع، وما بين العودة بـ "يوسف" في "وننسى اللي كان" ومراد في "على قد الحب" يبقى الأخير هو الأداء الأفضل والأكثر تأثيرًا في الأحداث. ولا تجمع الشخصيتان سوى القدرة على ممارسة الأذى بشكل أنيق، ولكل منهما بروفايل خاص ودوافع يعبر عنها أحمد سعيد عبد الغني بشكل مختلف في كلٍ منهما، وهي بالتأكيد مهمة صعبة لعدة عوامل منها التشابه وتزامن العرض ومساحة الشخصيات الشريرة المعتاد أن يقدمها عادة.


عودة النجوم على اختلاف مدد غيابهم عن الموسم لا تنجح فقط لكونها مجرد استدعاء لحنين الماضى أو (النوستالجيا)، بل هي إثبات عملي على قوة البنية التحتية للدراما المصرية وذكاء صناعها. وأن صناعة الدراما التليفزيونية تمتلك مخزون استراتيجي من المواهب قادرة دائمًا على تجديد دمائها وتعمل ككقوة ناعمة على نشر الثقافة المصرية سواء في الإنتاجات المحلية أو الاقليمية. موسم رمضان 2026، باختياراته الدقيقة لشخصيات العائدين  يرسخ أن الشاشة تتسع دائمًا لأصحاب الموهبة الحقيقية الذين يدركون متى يغيبون، والأهم.. كيف يعودون ليصنعوا الفارق.

 

كل ما يخص مسلسلات رمضان 2026.. اضغط هنا للدخول إلى بوابة دراما رمضان 2026


 

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة