لم تعد أروقة محاكم الأسرة مجرد ساحات لتبادل الاتهامات حول النفقات أو الرؤية، بل تحولت في الآونة الأخيرة إلى "مسرح للآلام" يروي قصصاً تقشعر لها الأبدان، حيث باتت "الخيانة الزوجية" في بعض الأحيان الأكثر وجعاً في دعاوى الخلع.
وفي الوقت الذي ترفع فيه الزوجة راية "أريد خلعاً"، تختبئ خلف الكلمات أسرار وحكايات لبيوت كانت عامرة، قبل أن يقتحمها "طرف ثالث" يحيل الدفء إلى رماد، ويحول العِشرة إلى مجرد ذكريات مؤلمة أمام منصة القضاء.
حكايات خلع بسبب الخيانة
تبدأ مأساة اليوم من أمام ساحة إحدى "محاكم الأسرة"، حيث وقفت "سارة" وهي شابة في مقتبل الثلاثينيات، تمسك بطرف طرحتها في توتر ظاهر، لتروي مأساتها.
لم تكن تطلب الطلاق للضرر لعدم رغبتها في الدخول في "دهاليز" إثبات الخيانة قانونياً بصورها المعقدة، بل اختارت الطريق الأسرع وهو "الخلع".
تقول سارة بصوت يملؤه الانكسار: "لم يكن ينقصه شيء، كنت له الزوجة والسند، لكنني اكتشفت بالصدفة أنه يعيش حياة موازية عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي مع سيدة أخرى، بل والأنكى أنه كان يستضيفها في بيتي أثناء غيابي لزيارة والدتي المريضة".
سارة لم تكن تبحث عن تعويض مادي، بل كانت تشتري "كرامتها" بمقدم صداقها، مفضلة لقب "مخلوعة" على لقب "زوجة مخدوعة".
وفي ركن آخر من أمام أروقة إحدى المحاكم"، نجد قصة "فاطمة"، الأم لثلاثة أطفال، والتي قضت 15 عاماً في كفاح مرير بجانب زوجها لبناء مستقبلهما.
تروي فاطمة لـ "اليوم السابع" بدموع لم تجف: "بعت ذهبي وساهمت بمرتبي لسنوات حتى يفتتح شركته الخاصة، وعندما استقام حاله واغتنى، كانت المكافأة هي الخيانة مع سكرتيرته".
تضيف فاطمة أن المواجهة كانت أصعب من الخيانة نفسها، حيث لم يبدِ الزوج أي ندم، بل اعتبر الأمر "نزوة عابرة" يجب أن تتحملها من أجل الأبناء.
لكن "فاطمة" قررت أن تربية الأبناء في بيئة "سوية" حتى لو كانت بلا أب، أفضل من تربيتهم على رؤية أمهم تُهان كرامتها كل يوم، فكان الخلع هو الملاذ الأخير.
الحكايات لا تنتهي عند هذا الحد، فأمام ساحات المحاكم تبرز قصص "الخيانة الرقمية" كبطل جديد في قضايا الخلع.
"نورهان" اكتشفت خيانة زوجها عبر "رسائل محذوفة" وصور لا تليق بقدسية الزواج على هاتفه المحمول، لم تكن هناك خيانة جسدية ملموسة بالمعنى التقليدي، لكن "الخيانة العاطفية" كانت أشد وطأة.
تقول نورهان: "الخيانة تبدأ بنظرة أو كلمة خلف الشاشات، ومن يقبل على نفسه أن يعيش في عالم افتراضي ملوث، لا يستحق أن يكون شريكاً في واقع حقيقي".
تلك القصص الإنسانية وإن كانت حالات فردية، لكنها جرس إنذار يدق في قلب المجتمع، ويطرح سؤالاً جوهرياً: لماذا وصلنا إلى هذا الحد؟ وكيف يمكن حماية "قدسية الزوجية" من الانهيار أمام إغراءات "النزوات" أو سهولة "التواصل المحرم"؟
روشتة للتصدى للخيانة الزوجية والحفاظ على الأسر
ولأن "اليوم السابع" يحرص دائماً على تقديم الحلول وليس فقط عرض المشكلات، فقد استطلعنا آراء خبراء علم النفس والاجتماع ورجال الدين لوضع "روشتة" وقائية لتفادي الوصول إلى نقطة "الخلع بسبب الخيانة".
تتضمن هذه الروشتة عدة نقاط جوهرية؛ يؤكد الدكتور محمد عادل الحديدي أستاذ الطب النفسي، أولها "تجديد لغة الحوار"، فمعظم حالات الخيانة تبدأ من فجوة صمت داخل البيت، يبحث بعدها أحد الطرفين عن "أذن صاغية" في الخارج.
ثانياً، "الشفافية الرقمية"، حيث يرى الخبراء أن الخصوصية في الزواج لا تعني "السرية الغامضة"، بل يجب أن يكون هناك نوع من الوضوح في التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي لغلق أبواب الشيطان.
ثالثاً، "الإشباع العاطفي"، فالعلاقة الزوجية تحتاج إلى تغذية مستمرة بالكلمة الطيبة والاهتمام المتبادل، حتى لا يشعر أي طرف بالوحدة وهو تحت سقف واحد مع شريكه.
كما شدد الخبراء على ضرورة "الاختيار الصحيح" من البداية على أسس دينية وأخلاقية، وليس فقط بناءً على المظاهر أو الإمكانيات المادية.
ومن الناحية الدينية، يؤكد الشيخ محمود شلبي في تصريحات لليوم السابع أن "الوازع الديني" هو الحصن الحصين، فمن خاف الله في نفسه، خاف الله في شريك حياته.
ويضيف: الخلع حقاً شرعياً وقانونياً منحته الشريعة والقانون للمرأة التي استعصت عليها الحياة وفاض بها الكيل، لكنه يظل "الدواء المر" الذي نتمنى ألا تحتاجه الأسر.
إن الحفاظ على البيوت يبدأ من "الصدق"، وينتهي عند "الإخلاص"، وما بينهما عِشرة لا يجب أن تهون إلا على "لئيم".
ستظل محاكم الأسرة تروي القصص، لكن الأمل يبقى في وعي المجتمع لإعادة الاعتبار لقيم الوفاء التي طالما ميزت البيت المصري الأصيل.