دخلت العلاقات الأمريكية اللاتينية نفقاً مظلماً لم تشهده منذ حقبة الحرب الباردة، حيث تداخلت لغة التهديد العسكري مع أدوات الحرب التجارية لتشكل مشهداً جيوسياسياً شديد التعقيد في ربيع عام 2026 ، لم تعد المواجهة تقتصر على التصريحات السياسية، بل تحولت إلى صدام مباشر بالأرقام والرسوم الجمركية والتحركات العسكرية، مما يضع استقرار القارة بأكملها على المحك.
البرازيل والمكسيك.. في مرمى نيران الرسوم
بدأت الشرارة من واشنطن حين أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض رسوم جمركية عقابية وصلت إلى 50% على الصادرات البرازيلية، مبرراً ذلك بحماية الصناعة الوطنية ومواجهة ما وصفه بـ "الممارسات غير العادلة"، هذا القرار لم يكن مجرد إجراء اقتصادي، بل حمل في طياته رسائل سياسية حادة تتعلق بمواقف البرازيل المستقلة ومحاكمة حلفاء ترامب السياسيين في الداخل البرازيلي.
وجاء الرد من برازيليا سريعاً وحازماً، حيث أعلن الرئيس لولا دا سيلفا مبدأ "المعاملة بالمثل"، وأن البرازيل مستعدة لخوض حرب تجارية طويلة الأمد لحماية كرامتها الاقتصادية.
المكسيك
أما المكسيك، الشريك التجاري الأبرز، فتعيش حالة من الشلل الاقتصادي الجزئي، فبعد عام من سياسة الرسوم الجمركية المتصاعدة، كشفت تقارير "فوربس" عن انكماش حاد في النمو المكسيكي، حيث تضررت صناعة السيارات وسلاسل التوريد بشكل مباشر.
وهذا الضغط الاقتصادي لم ينجح في تطويع المكسيك، بل دفعها ، رغماً عنها ، إلى البحث عن بدائل استراتيجية في بكين وبروكسل، مما يهدد بفك الارتباط التاريخي بين اقتصاديات أمريكا الشمالية.
كوبا وعودة التهديد العسكري المباشر
في زاوية أخرى من الكاريبي، عادت نبرة التهديد العسكري لتتصدر المشهد. تصريحات ترامب حول "السيطرة" على كوبا وتصنيفها كهدف استراتيجي أعادت إلى الأذهان أزمات القرن الماضي.
وهافانا من جانبها، وتحت قيادة الرئيس ميجيل دياز كانيل، استدعت عقيدة "حرب الشعب الشاملة"، معلنة أن أي محاولة للتدخل العسكري ستواجه بمقاومة شعبية منيعة، ورغم الحصار النفطي الخانق الذي يفرضه الأسطول الأمريكي، ترفض كوبا "الابتزاز العسكري"، معتبرة أن الحوار لا يمكن أن يتم تحت فوهات البنادق.
تداعيات عالمية: التضخم والهروب من المظلة الأمريكية
لا تتوقف آثار هذه الأزمة عند حدود القارة اللاتينية؛ فالمستهلك الأمريكي بدأ بالفعل في دفع فاتورة هذه الحروب الجمركية.
أسعار القهوة واللحوم والسلع الأساسية القادمة من الجنوب سجلت مستويات قياسية، مما زاد من وتيرة التضخم داخل الولايات المتحدة. عالمياً، يراقب المراقبون بقلق اضطراب سلاسل الإمداد، خاصة في ظل التهديد بإغلاق الممرات الملاحية أو فرض رسوم انتقامية متبادلة قد تعيق حركة التجارة الدولية بنسبة كبيرة.
ووفقا للخبراء فإن الأمر الأكثر خطورة هو الانقسام السياسي الحاد في المنطقة، فبينما تحاول المكسيك وكولومبيا تشكيل جبهة صمود ضد التدخلات الأمريكية، تظهر أصوات أخرى في الأرجنتين تتماهى مع سياسة واشنطن الجديدة، مما يهدد بتفكك التكتلات الإقليمية مثل "سيلك" و"ميركوسور".
وهذا الاستقطاب يفتح الباب واسعاً أمام قوى دولية مثل الصين وروسيا لتعزيز نفوذها في "الفناء الخلفي" للولايات المتحدة، مستغلة الفجوة التي خلفتها سياسة "أمريكا أولاً".