عادل السنهوري يكتب في ذكرى رحيل العندليب الأسمر الـ 49.. عبد الحليم حافظ مازال صوته حاملا لواء الأغنية الرومانسية والوطنية منذ الخمسينيات.. وخاض طوال ربع قرن معارك فنية شرسة من أجل الوصول للقمة

الإثنين، 30 مارس 2026 03:29 م
عادل السنهوري يكتب في ذكرى رحيل العندليب الأسمر الـ 49.. عبد الحليم حافظ مازال صوته حاملا لواء الأغنية الرومانسية والوطنية منذ الخمسينيات.. وخاض طوال ربع قرن معارك فنية شرسة من أجل الوصول للقمة العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ

العندليب الأسمر نموذج وحالة إنسانية خاصة لإدارة الموهبة الفنية..وهو أفضل تجسيد لمقولة الغائب الحاضر أو الغائب الذى يكثف غيابه حضوره الطاغى مثل الشخصيات الخالدة فى التاريخ الإنسانى فى السياسة والأدب والعلم والفن

فى كل مرة- رغم سنوات الرحيل والغياب- نشاهده فى أفلامه، ونستمع إلى أغنياته وكأنما نراه ونستمع إليه لأول مرة.. نفس اللهفة والفرحة والشوق التى تسيطر على مشاعرنا  فى اللقاء والحب الأول، وكأنها أعمال فنية طازجة نتلهف لمتابعتها فى بهجة ومحبة.


هل هى حالة خاصة بجيلنا أو الأجيال السابقة التى عاصرت عبدالحليم حافظ؟
أكاد أجزم أنه ما زال يمثل الحالة ذاتها لدى الأجيال الحالية أيضا بدليل أن أغنياته تحتل إلى الآن المراكز الأولى فى الانتشار والتوزيع والاستماع إليها.
ما زال حليم هو أسطورة الغناء العربى، ما زال هو حامل لواء الرومانسية فى حياة أجيال كثيرة منذ الخمسينيات وحتى الآن، وربما إلى أجيال قادمة.
مشوار فنى طويل خاض حليم خلاله معارك فنية كثيرة- لها ما يبررها- أغضبت منه الكثير من الفنانين حتى أقرب أصدقائه، وانتهت جميعها بالصلح لأنها دارت حول الفن والغناء، الذى بدت معه «شراسة» حليم الإنسان الطيب اليتيم.  


رغم الغياب، ما زالت الحكايات عنه كثيرة، ومذكرات بعض الفنانين من أبناء جيله وحواراتهم تزدحم بالأسرار فى العلاقة معه، فقد خاض حليم معارك كثيرة لكى يبقى معتليا قمة الغناء فى مصر والوطن العربى، ولجأ إلى كل الحيل والأساليب والأدوات التى تجعل منه فارس الأغنية الأول، والحكايات فى هذا المجال كثيرة. دخل فى معارك فنية وشخصية حتى مع كوكب الشرق أم كلثوم وفريد الأطرش ومحمد رشدى ووردة ، ومع أقرب أصدقائه إلى قلبه، الطويل والموجى، ورغم ذلك ما زال هناك جزء غائب عن تفسير هذه المعارك التى خاضها ولو من الجانب النفسى.


الكاتب الصحفى المرموق محمود عوض- وصديق حليم- يقول فى كتابه «بالعربى الجريح»: «إن عبدالحليم حافظ خاض مشوار نجاحه مرتين، أولا لكى يصل إلى القمة، وثانيا لكى يستمر فيها، الأول وجد حليم من شاركوه وكانوا جزءا من نجاحه، ووجد من حاربوه أيضا، هكذا لا يمكن أن نفهم ظاهرة حليم من دون أن نفهم أساس مشاركة كمال الطويل ومحمد الموجى وبليغ حمدى فى الوصول إلى قلوب الناس بلون جديد، وسط أسماء كبيرة وقتها، لها قاعدتها الجماهيرية العريضة».


يضيف «عوض»: «علينا أن نتذكر أيضا أن عبدالحليم لم يكن فى أى وقت مطرب السلطة، كما يحاول البعض تفسير نجاحه، فبعد الاختراق الأول الذى حققه حليم إلى قلوب الجماهير، وجد من يتبنوا صوتا بديلا اسمه كمال حسنى، أقلام بارزة وصحف كاملة حشدت نفسها لتقديم كمال حسنى كمنافس لعبدالحليم حافظ، وتعاقد على أفلام سينمائية وقدم إليه كبار الملحنين ألحانا عذبة ومضت فى سبيله حملة دعائية كبرى، لكنه فى النهاية توارى واستمر حليم نجما متربعا فى قلوب الجماهير وعلى عرش الغناء، ولم تتوقف الحرب ضده حتى بعد رحيله. أقول إنها حرب لأنها كانت كذلك بين وقت وآخر».


لكن كما قال الموسيقار كمال الطويل، رفيق مشواره الفنى: «لم تتوقف الحرب أيضا منه ضد غيره».. عبدالحليم عاش يبحث عن الأفضل دائما لنجاح مشروعه الغنائى ولم يغمض عينيه عن تجارب الآخرين.


حارب حليم فى كل اتجاه حتى يصبح ملكا على عرش الغناء الرومانسى والشعبى والوطنى، وعبر بذكائه الشخصى والفنى عن الحب بأصدق وأروع صوره، وعن الوطن الناهض والصاعد فى مواجهة التحديات، وفى معارك البناء والتنمية وصوت ناصر فى الشارع المصرى والعربى، وصوت العروبة فى المحافل الدولية، وبالفعل مات حليم وعاش فنه يخلده، وما زال متربعا بصوته وصدقه الفنى وعشقه لفنه على قلوب ووجدان ملايين المصريين والعرب حتى إاشعار آخر.. ربما لن يأتى!


حليم لم يكن فقط وجها واحدا لعملة ذهبية فنية، كان هناك أيضا وجه آخر غاية فى الروعة وفى التضحية والحب لكل من حوله، وجه هو «نصف حليم الآخر» الذى قد لا يعرفه كثيرون.


ببساطة.. حليم- العندليب الأسمر- هو ذاك الخلطة السحرية المميزة من معاركه الفنية ومواقفه الإنسانية المبهرة، تلك هى جاذبيته الخاصة حتى الآن.

 

ذكاء حليم مع الكبار

كان عبدالحليم حافظ حريصا على أن يظل محاطا بالكبار، أمثال الشاعر والأديب والصحفى كامل الشناوى، مصطفى وعلى أمين، إحسان عبدالقدوس، أحمد بهاء الدين، صلاح جاهين، والرسام المبع حسن فؤاد، والروائى فتحى غانم، والأديب يوسف إدريس،  ثم انتقل إلى الجيل التالى الإذاعى الكبير وجدى الحكيم، والكاتب الصحفى اللامع منير عامر، ومحمود عوض، ليظل فى بؤرة الإعلام، وهنا تكتشف أن الإعلام كان يمنح عبدالحليم مساحات تتجاوز حتى ما منحه لأم كلثوم. لا يمكن أن نعزو ذلك إلا لسبب واحد. إنّها جاذبية عبدالحليم. نعم فى حياته كان قادرا على السيطرة على الإعلام مرئيا ومسموعا ومقروءا.


«الموهبة لا تكفى فقط كى تحافظ على نجاحك، ينبغى أن تتوافر لها حماية أخرى من خلال الإعلام».. عندما نسأل فنانا عن مكانته بين زملائه، يقول لك تلك الإجابة التى صارت «كليشيه»: «لا دخل لى بالآخرين.. أنا فقط لا أفكر إلا فى اختياراتى وربنا يوفق الجميع».


عبدالحليم كان يراقب الجميع، كان يتابع النجاح الذى يحقّقه أى فنان ويتأمله ويحاول أن يعثر على أسبابه، لم يعتبر الآخرين غير موجودين على الساحة ولم ينكر أنه يتابعهم، كان أحيانا يتدخل بذكاء فى إشعال التنافس بين منافسيه حتى يبددوا طاقاتهم فى الصراع فيما بينهم، بينما يواصل هو التقدم بمفرده.


نعم لم يكن عبدالحليم حافظ فقط هذا الفنان الحالم المتسامح، كما كنا نشاهده دائما من خلال تلك الصورة الذهنية التى صدّرها لنا، فصارت راسخة فى الوجدان حتى الآن- كما يقول الناقد الفنى طارق الشناوى ابن شقيق كامل الشناوى- رغم ذلك، فإنّ كبار الكتاب كانت لديهم أيضا قدرة على أن يرسموا بدقة صورة عبدالحليم حافظ، يكشفون المناطق السهلة والممنوعة، وهذا هو ما دفع كامل الشناوى إلى أن يطلق عليه تعبيرا صار لصيقا به كأنه مفتاح لشخصيته «عبدالحليم يصدق إذا غنى، ويكذب إذا تكلم».. البعض يرى فيها نصف الكوب الفارغ، فهو - أى عبدالحليم- إنسان كاذب، لكن إذا تأملت النصف الثانى، ستجده يؤكد أن عبدالحليم فنان صادق، خُلق لكى يبدع فنا.


كل شىء بالنسبة إلى حليم كان لديه وظيفة واحدة ووحيدة هى أن يضع عبدالحليم فى مكانة خاصة، قد يضحّى بصداقة صديق، قد يلجأ إلى الضرب تحت الحزام، قد يسطو على لحن أو ملحن أو شاعر، وقد يستخدم سلاح السخرية أو حتى التشنيع، قد تحمل هذه الكلمات قدرا من القسوة، لكن هناك اتفاق إنسانى على أنّ كل العظماء فى حياتنا ليسوا ملائ

كة ولهم نقاط ضعفهم، وهكذا هو عبدالحليم حافظ الذى لم يعرف الصدق إلا عندما كان يغنى، وهكذا عاش فى حياتنا وعاشت معه كلمات كامل الشناوى!
الدلائل كثيرة على حرصه أن يكون محاطا بالكبار، فلم تفوته مناسبة إلا وكان حاضرا بجسده أو بكلماته، ففى مناسبة عيد ميلاد كامل الشناوى كان حليم موجودا فى الولايات المتحدة الأمريكية فى رحلة علاج معتادة، ورغم ذلك- كما يكشف طارق الشناوى فى خطاب من حليم إلى عمه ظل محتفظا به- أرسل حليم فى الخطاب أو الرسالة التى بعث بها فى الأول من ديسمبر عام 1963: «الأخ الحبيب الأستاذ كامل الشناوى «دار أخبار اليوم». مصر من أمريكا عبر المحيط، أكتب لك معبّرا عن شوقى وحبى وشكرى على كلمتك الحلوة الرقيقة، ولأقول لك كل سنة وأنت طيب، وأنت سعيد وأنت بكامل صحتك، وكل سنة وأنت تملأ الدنيا شعرا وحياة، وكل سنة وأنت معنا نحبك وتحبنا وتملأ حياتنا بكلماتكم الحلوة.. أقبّلك وإلى اللقاء القريب إن شاء الله أخوك عبدالحليم».
غنّى حليم لكامل الشناوى ثلاث قصائد هى «لا تكذبى» و«لست قلبى» و«حبيبها».

 

حليم المثقف

عبدالحليم حافظ كان قارئا ومثقفا وصاحب صداقات متنوعة ومتعددة فى الوسط الصحفى والفنى والسياسى، حليم كما ذكر من أجروا معه الحوارات الصحفية قبل وفاته، مثل الكاتبة الصحفية إيريس نظمى فى مجلة الكواكب قبل منتصف السبعينيات بقليل، لم يكن تفوته الجرائد اليومية، الأهرام والأخبار والجمهورية، وبعيدا عن ذلك كان مهتما أيضا بالقراءة فى الصباح والمساء ساعة أو ساعتين يوميا، كما عرف عنه أنه كان يمتلك حسا نقديا عاليا، يتحدث الأدباء عنه ويسهبون فى التعليق على إبداعه، لكنه أيضا صاحب رأى ينم عن ثقافة تأسست من علاقته القوية بعمالقة الأدب فى عصره.


تجربة عبدالحليم أيضا فى الكتابة تكشف مدى قدرته على التنوع فى الثقافة والتعبير عما مر به من سنوات «اليتم» والصعود إلى المجد، لذا لم تكن تدخلات «العندليب» فى كتابة سيناريوهات الأفلام أو تغيير بعض كلمات أغانيه أمرا ينم عن تحكم بقدر ما يدل على موهبة فى تذوق ما يقرأ ويكتب ويغنى أو حتى يسمع.


حليم كان يمتلك مكتبة كبيرة داخل منزله بالزمالك، كان يفضل قراءة نجيب محفوظ ويوسف إدريس ويوسف السباعى ومصطفى محمود وأنيس منصور وتولستوى فى الأدب الروسى، ويقدم رؤيته فى أدب وكتابات كل أديب، فيرى فى أدب محفوظ: «يحارب الفقر بأغنى أسلوب.. كل التصرفات الشاذة لأبطال قصصه مرجعها الفقر.. تريد مثالا.. «القاهرة الجديدة» التى ظهرت على الشاشة باسم «القاهرة 30» بطلها شاب فقير جدا، اضطر أن يكون انتهازيا ليصل.. إن انحلاله بسبب الفقر».


يتحدث العندليب الأسمر عن «يوسف إدريس» ويقول: «كمسرحى.. مصدر ممتاز للبيئة والشخصيات الثابتة من هذه البيئة، وعن صديقه إحسان عبدالقدوس، يرى عبدالحليم فيه «كاتب عصرى يناقش مشاكل الشباب ويدلى برأيه فيها بوضوح، وهو ليس كاتبا جنسيا، ولكنه مرآة تنعكس عليها حقائق قد تؤلم الكثيرين، ولكننا إذا كسرنا المرآة، فلن نرى الحقيقة».


وفى أيام عبدالناصر اقترب عبدالحليم من الكاتب الكبير الأستاذ محمد حسنين هيكل، وكان يحرص على أن يرسل له أسطواناته الجديدة خاصة الأغانى الوطنية، وكان لحليم جلسات متكررة مع هذا العقل المفكر يجلس مستمعا يصغى ويلتقط، وكان جهاز التقاطه بارعا يشبه مذيعة ذكية تلتقط أفكار المعد، وحينما تفكر أمام المشاهد تبدو وكأنها من بنات أفكارها.


عندما كان عبدالحليم يزور هيكل فى مكتبه يجلس ويستمع للمناقشات الدائرة، فإذا استعصى عليه شىء رفع إصبعه كالتلميذ فيرد عليه هيكل بلهجته الخاطفة «أيوه يا عبدالحليم.. إيه اللى شايفه عويص عليك؟» فيقول عبدالحليم «النقطة الفلانية» فيبدأ هيكل فى شرحها، ويستوعب عبدالحليم ما سمعه بوعى تام، وذلك حسبما ذكر الكاتب مفيد فوزى فى كتابه «صديقى الموعود بالعذاب».


استفاد عبدالحليم حافظ من صداقة هؤلاء المثقفين وتشرب أفكارهم فأخذ من إحسان عبدالقدوس نبض العصر، وأحمد بهاء الدين أهداه كيفية التفكير ويهديه كتبا يتفاعل معها، أما فتحى غانم فقد أعطاه النصح المخلص، وحسن فؤاد أعطاه الأمل والتفاؤل، وقال عبدالحليم عنه: «جوهرجى يلتقط المعدن ويصوغه»، كما أنه وصف على أمين بأنه بئر أسرار أكثر من مصطفى أمين، لأن الصحفى فى مصطفى أمين أعلى نبرة.

4
 

 

6
 

 

33
 

 

p.6
 

 

حليم
حليم

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة