مساعد وزير الداخلية الأسبق: المخدرات تغيرت بالكامل.. الإستروكس والإكستاسى والكبتاجون تصل إلى الحفلات والمدارس.. ولا يمكن حصر عدد المتعاطين بسبب تنوع المواد وطرق الانتشار
ممنوعات اليوم تأتى فى حاويات لعب الأطفال.. السوشيال ميديا تروج وهم أن بعض المواد آمنة أو لا تسبب الإدمان.. والمخدرات الكيميائية تصنع تحت بير السلم
فى ظل التغيرات المتسارعة التى يشهدها عالم المخدرات، لم تعد الظاهرة كما كانت قبل سنوات، بل تحولت إلى سوق معقدة تتداخل فيها أنواع جديدة من السموم البيضاء، وطرق تهريب أكثر تطورا، وفئات عمرية أصغر أصبحت عرضة لخطر التعاطى والإدمان.
وبينما تتعدد المخاطر وتتغير أنماط انتشار المخدرات، تبقى المواجهة الأمنية والتوعية المجتمعية خط الدفاع الأول لحماية الشباب والأسر من هذه الآفة الخطيرة.
وفى هذا الحوار، يفتح اللواء وليد السيسى، مساعد وزير الداخلية، ووكيل الإدارة العامة لمكافحة المخدرات الأسبق، وأحد أبرز قيادات مكافحة المخدرات السابقين، ملف تجارة المخدرات وتطوراتها، كاشفا كيف تغيّرت خريطة الإدمان خلال العقود الأخيرة، ولماذا أصبحت السموم البيضاء تمثل التهديد الأكبر حاليا، مؤكدا أن تجربة واحدة مع المخدرات قد تكون كفيلة بتدمير حياة الإنسان بالكامل.. وإلى نص الحوار:
اسم اللواء وليد السيسى أصبح معروفا لدى كثيرين.. من هو اللواء وليد السيسى؟
أنا فى النهاية مجرد لواء شرطة، التحقت بإدارة مكافحة المخدرات فى سن مبكرة، واستمريت فى العمل داخل هذا المجال لسنوات طويلة، وهو ما منحنى خبرة وتجربة كبيرة فى ملف من أخطر الملفات التى تواجه المجتمع، وهو ملف المخدرات.
هذا العمل لم يكن مجرد وظيفة بالنسبة لى، بل كان أشبه برسالة، لأنك تتعامل يوميا مع قضايا تمس أمن المجتمع ومستقبل الشباب.
خلال هذه السنوات شاهدت الكثير من الوقائع والقصص المرتبطة بالمخدرات، سواء من ناحية طرق التهريب أو أنماط التعاطى أو الفئات المستهدفة.
هذه التجارب المتراكمة جعلت لدى قدرة أكبر على فهم الظاهرة وتحليلها، وربما يقول البعض إن لدى قدرة على السرد وشرح الموضوع بطريقة بسيطة وواضحة، وهذا ما جعل الناس تهتم بما أقدمه أو بما أتحدث عنه فى اللقاءات والندوات.
لكن فى الحقيقة أنا لا أعتبر نفسى أكثر من ضابط شرطة أدى عمله لسنوات طويلة فى هذا المجال، واكتسب من خلاله خبرة وتجربة. وإذا كان هناك شىء يميزنى فهو أننى حاولت دائما أن أتكلم مع الناس بلغة بسيطة يفهمها الجميع، لأن قضية المخدرات لا تخص رجال الأمن فقط، بل تخص كل أسرة فى المجتمع.
يقال إن طريقتك فى الإلقاء تُدرّس الآن؟
سمعت بالفعل أن هناك من يتحدث عن أسلوبى فى الإلقاء أو يدرّسه، لكننى أتعامل مع الأمر باعتباره هبة من الله، الإنسان قد يتعلم أشياء كثيرة، لكن طريقة الحديث أو القدرة على إيصال الفكرة بشكل بسيط قد تكون فى النهاية نعمة من الله.
أنا أحاول فقط أن أوصل الرسالة بصدق وبأسلوب يفهمه الناس، لأن موضوع المخدرات تحديدا يحتاج إلى لغة واضحة ومباشرة، وليس إلى لغة معقدة، فالشباب عندما يسمع الكلام بلغة بسيطة ومفهومة قد يتأثر أكثر من سماعه خطابا رسميا أو أكاديميا.
لذلك أتمنى أن أستطيع الحفاظ على هذه الهبة، وأن أستخدمها فى توصيل رسالة مفيدة للمجتمع، خاصة فى مجال التوعية بمخاطر المخدرات، لأن جزءا كبيرا من مواجهة هذه الظاهرة يعتمد على الوعى، وليس فقط على الإجراءات الأمنية.
كيف ترى تجارة السموم البيضاء أو المخدرات حاليا مقارنة بما كان يحدث فى الماضى؟
طبعا يجب أن نعترف أن هناك اختلافا شبه كامل فى المنظومة. عندما أقارن بين الوضع فى التسعينيات، وهى الفترة التى بدأت فيها العمل فى جهاز مكافحة المخدرات، وبين الوضع الحالى، أجد أن كل شيء تقريبا تغيّر.
فى الماضى، على سبيل المثال، كنت أقول دائما إن مدمنى الكوكايين فى مصر يمكن أن أعرفهم بالاسم، كان عددهم محدودا للغاية، وكانت هذه المواد محصورة فى نطاقات ضيقة جدا، أما اليوم فلا أستطيع أن أحدد حجم تجارة الكوكايين فى مصر أو عدد المتعاطين بدقة، لأن السوق أصبح أكبر بكثير وأكثر تعقيدا.
كما أن هناك مفهوما خاطئا لدى البعض يتعلق بحجم الضبطيات. كثير من الناس يظنون أن كمية المخدرات المضبوطة تعكس حجم التعاطى فى المجتمع، وهذا غير صحيح تماما. فقد تضبط أجهزة الأمن 100 كيلو من الكوكايين مثلا، بينما السوق فى الواقع قد لا يستهلك سوى 20 كيلو فقط، وبالتالى فإن كمية المضبوطات لا تعنى بالضرورة أن هناك عددا كبيرا من المدمنين يستهلك هذه الكمية.
التغير الأكبر حدث فى تنوع المواد المخدرة، خاصة ما يُعرف بالسموم البيضاء أو المخدرات الكيميائية المستحدثة، فى الماضى لم يكن لدينا الإستروكس أو الآيس أو الكبتاجون أو البودر أو الشابو. كل هذه المواد ظهرت فى السنوات الأخيرة، وانتشرت فى السوق بكثافة كبيرة.
بعض هذه المواد يمكن إساءة استخدامها بسهولة، وبعضها يمكن تصنيعه بطرق بدائية وغير قانونية، فيما يُعرف أحيانا بالتصنيع تحت بير السلم، بل إننا فى بعض الحالات نجد مواد تُباع فى السوق على أنها مخدرات، بينما هى فى الأصل ليست مخدرات معروفة، لكنها تُحدث تأثيرات خطيرة على الجهاز العصبى والعقل.
فى الماضى كان المشهد مختلفا تماما، كان الأمر يقتصر تقريبا على الحشيش والأفيون، وعندما ظهر البانجو فى وقت من الأوقات اعتبرناه مخدرا جديدا يشكل خطرا، أما اليوم فالقائمة أصبحت طويلة جدا، فهناك الإل إس دى والإكستاسى والكبتاجون وغيرها من المواد الكيميائية المختلفة.
وبالتالى فإن تنوع المواد المخدرة، وطريقة دخولها إلى البلاد، وطريقة تعاطيها، ونوعية المتعاطين، كلها عوامل أدت إلى تغير جذرى فى سوق تجارة المخدرات.
وهل تغيّر الأمر أيضا فى طرق التهريب؟
بالتأكيد تغيّر بشكل كبير، فى الماضى، إذا أردت تهريب الحشيش مثلا، كان مصدره يأتى من دولتين أو ثلاث دول فقط فى العالم. وكانت الجهات الأمنية تعرف جيدا الدول التى تنتج هذه المواد، ولذلك كان من السهل نسبيا مراقبة حركة التهريب القادمة منها.
أما اليوم فإذا تحدثنا عن مخدر مثل الآيس مثلا، فقد يأتى من نحو عشرين دولة مختلفة، هناك دول فى جنوب شرق آسيا تنتج هذا النوع من المخدرات، وهناك دول أخرى قريبة من أوروبا، وهناك أيضا دول فى أمريكا الجنوبية.
قد يصل الكوكايين من البرازيل مثلا، وقد يأتى أيضا من دول فى جنوب شرق آسيا مثل تايلاند. وبالتالى أصبح هناك تنوع كبير فى مصادر المخدرات. وهذا التنوع أدى بطبيعة الحال إلى تضاعف طرق التهريب بشكل كبير.
فى الماضى كنا نعرف الدول التى تنتج المخدرات وتستهدف السوق المصرى، ولذلك كنا نركز على مراقبة مطاراتها وموانئها والطائرات والسفن القادمة منها. أما اليوم فقد أصبح الأمر أكثر تعقيدا بكثير، لأن مصادر المخدرات تعددت، وطرق التهريب أصبحت أكثر احترافية.
لماذا أصبح الأمر أكثر تعقيدا؟
لأن هناك تشعبا كبيرا فى دول الإنتاج، وغزارة فى الإنتاج، وتنوعا كبيرا فى المواد المخدرة، كما أن المهربين أصبحوا يستخدمون وسائل حديثة وطرقا ملتوية للتمويه.
على سبيل المثال، قد يتم شحن المخدرات من دولة منتجة، ثم يتم إرسالها إلى دولة أخرى لا علاقة لها بالمخدرات، ويتم تغيير ملصقات الشحن أو أوراق الشحنة.
قد تجد حاوية مكتوبا عليها «لعب أطفال»، لكنها فى الحقيقة تحتوى على كميات كبيرة من أقراص الترامادول أو غيرها من المواد المخدرة. ويتم وضع ألعاب أطفال فوق هذه الشحنة لإخفائها. وعندما تصل الحاوية إلى الميناء تكون مسجلة باسم مستورد معين، وقادمة من دولة لا علاقة لها بإنتاج المخدرات أصلا.
وهنا يصبح السؤال: كم حاوية يمكن تفتيشها من بين آلاف الحاويات التى تصل يوميا من عشرات الدول إلى مئات المستوردين؟ هذه التعقيدات هى التى تجعل عملية مكافحة المخدرات أكثر صعوبة مما كانت عليه فى الماضي.
ماذا عن الفئات العمرية للمتعاطين؟
الفئات العمرية بالفعل تغيّرت بشكل ملحوظ، فى الماضى، خصوصا فى الثمانينيات والتسعينيات، كانت هذه الظواهر مرتبطة فى الغالب بكبار السن وكان من السهل أن تعرف أن هذا الشخص مدمن أفيون لأنه تجاوز الخمسين من عمره. كان الأفيون مرتبطا بالرجال الكبار، ولم يكن منتشرا بين الشباب كما نرى اليوم.
أما الآن فنرى شبابا وأحيانا أطفالا.. أليس الأمر كذلك؟
نعم هذا صحيح، وهذه الظاهرة مرتبطة بما ذكرته فى البداية، وهو تنوع المواد المخدرة، فى جيلنا مثلا، كان الشاب إذا فكر فى تعاطى الحشيش فقد يحدث ذلك بعد دخوله الجامعة، أما فى المرحلة الثانوية فربما يدخن السجائر فقط إذا كان سيئ السلوك، وكان تعاطى المخدرات قبل دخول الجامعة أمرا صادما وغير معتاد.
أما اليوم فقد نجد شابا فى سن 14 أو 15 سنة يتعاطى الإستروكس بسهولة، لأن هذا النوع من المخدرات أصبح متاحا ورخيصا وسهل الحصول عليه.
قد تجد شابا يقف على ناصية شارع فى منطقة شعبية يبيع الاستروكس، ويلف عدة سجائر ويعرضها على المارة، وقد يكون ابنك أو صديق ابنك يمر عليه فيجربها بدافع الفضول فقط.
وهنا قد يفاجأ الأب بأن ابنه الذى لم يدخن سجائر فى حياته أصبح يتعاطى الإستروكس، وربما يكتشف بعد فترة أنه أصبح مدمنا بالفعل.
ألا تلاحظ أيضا أن الظاهرة لم تعد مقتصرة على الذكور فقط، بل زادت بين الإناث؟
نعم، هذا صحيح، فى الماضى كان يقال إن الفتيات إذا تعاطين المخدرات فغالبا ما يكون الكوكايين، لأنه كان مرتبطا بطبقات اجتماعية معينة وكان مرتفع الثمن، وكانت هناك الكثير من المفاهيم المغلوطة حول هذا الموضوع.
أما اليوم فقد أصبحت الفتاة عرضة لتعاطى أنواع متعددة من المخدرات، لأن هذه المواد أصبحت منتشرة وسهلة الوصول، كما أن وسائل الإعلام والسوشيال ميديا تلعب دورا كبيرا فى ذلك.
قد تكون الفتاة محافظة وتعيش فى أسرة ملتزمة، لكنها عندما تذهب إلى حفلة فى الجامعة مثلا قد يعرض عليها أحدهم تجربة قرص معين، ويقال لها إنه مجرد منشط يجعلها أكثر سعادة ونشاطا فى الحفلة، ويؤكدون لها أنه ليس مخدرا ولا يسبب الإدمان.
فتجربه بدافع الفضول، وتشعر بالنشاط والسعادة، وتظل ترقص وتتحرك بنشاط طوال الحفلة، فتظن أنه أمر طبيعى، وبعد انتهاء الحفلة قد تقول لنفسها: ما أجمل هذا الشعور، لكنها فى الحقيقة كانت تتعاطى مخدرا دون أن تدرك ذلك.
فى الماضى لم تكن هذه الظواهر موجودة بهذا الشكل، لم تكن الحفلات منتشرة بهذه الصورة، كما أن المدمنين كانوا يحاولون إخفاء إدمانهم.
كان بعض المدمنين مثلا يرتدون ملابس بأكمام طويلة طوال العام حتى فى الحر الشديد، حتى لا تظهر آثار الحقن فى أذرعهم، أما اليوم فقد تغير الوضع كثيرا، وأصبح الأبناء والبنات عرضة لتجربة مخدرات جديدة دون أن يعرف الأهل بذلك.
هل للسوشيال ميديا دور فى انتشار هذه الظاهرة؟
بالتأكيد. السوشيال ميديا لعبت دورا سلبيا كبيرا فى انتشار المخدرات، لأنها فى بعض الأحيان تروج لمعلومات خاطئة.
فقد نجد بعض المحتوى الذى يروج لفكرة أن بعض المواد ليست مخدرات، أو أنها آمنة، أو أنها لا تسبب الإدمان، أو أنها مجرد مواد طبيعية أو علاجية، وهذه الرسائل قد تؤثر على الشباب وتدفع بعضهم إلى تجربة هذه المواد بدافع الفضول.
وهل بعض المسلسلات تعد سببا للتعاطى؟
المسلسلات بدأت بالفعل فى طرح بعض هذه القضايا، لكنها ليست العامل الوحيد، فى رأيى أن السوشيال ميديا أصبحت أكثر انتشارا وتأثيرا من المسلسلات، لأنها تصل إلى الشباب بشكل مباشر ومستمر.
فى ختام الحوار، نريد من حضرتك خمس نصائح للشباب الذين قد ينجرفون وراء التجربة أو ما يُنشر على السوشيال ميديا. فى الحقيقة النصيحة فى جوهرها واحدة: لا تأمن للمخدرات، لا تأمن لفكرة التجربة، لأن كثيرا من المدمنين بدأوا بتجربة واحدة فقط،لا تأمن لكلام الأصدقاء الذين قد يقللون من خطورة الأمر،لا تجرب المخدرات مهما كانت الظروف.
لا تستهن بالأمر أو تتعامل معه على سبيل المزاح.ولا تصدق كل ما يُقال على السوشيال ميديا عن هذه المواد، فالمخدرات اليوم قد تكون تجربة واحدة فقط، لكنها قد تكون كفيلة بتدمير حياة الإنسان بالكامل، وتغيير مستقبله ومستقبل أسرته، لذلك يجب أن يكون القرار واضحا منذ البداية: الابتعاد تماما عن هذه الطريق.