بينما لم تفق الدول الأوروبية تماماً من تبعات موجات اللجوء السابقة، تلوح في الأفق بوادر "انفجار ديموجرافي" جديد يهدد بزعزعة الاستقرار السياسي والاجتماعي في قلب الاتحاد الأوروبي.
ووفقا لتقرير نشرته صحيفة لابانجورديا لإسبانية فإن هذه المرة، لا تأتي الرياح من سوريا وحدها، بل تهب من طهران وبيروت، حيث تدفع الانهيارات الاقتصادية والتوترات العسكرية عشرات الآلاف إلى حافة الهاوية، واضعين نصب أعينهم هدفاً واحداً: الوصول إلى القلعة الأوروبية بأي ثمن.
إيران: الهروب من قبضة الجليد والانهيار
في إيران، لم يعد القمع السياسي المحرك الوحيد للهجرة ، بل دخل العامل الاقتصادي كعنصر حاسم. مع وصول معدلات التضخم إلى مستويات غير مسبوقة وتدهور قيمة العملة المحلية، بدأت الطبقة المتوسطة الإيرانية، التي كانت تشكل صمام أمان للمجتمع، في التآكل. التقارير الاستخباراتية الأوروبية تشير إلى زيادة ملحوظة في طلبات اللجوء من مواطنين إيرانيين، ليس فقط من النشطاء، بل من تقنيين وعائلات كاملة تبحث عن الأمان المالي، تزايدت وتيرة الرحلات عبر ما يسمى "طريق البلقان"، حيث يستغل المهاجرون الثغرات الحدودية للوصول إلى ألمانيا والنمسا، وسط مخاوف من أن تتحول هذه التدفقات إلى موجة بشرية لا يمكن السيطرة عليها إذا ما انزلقت الأوضاع في الداخل الإيراني نحو صدام مسلح مباشر.
لبنان.. "سويسرا الشرق" التي أصبحت مصدراً للاجئين
أما في لبنان، فالوضع أكثر مأساوية وتعقيداً، الدولة التي استضافت أكبر عدد من اللاجئين نسبة لسكانها في العالم، بات مواطنوها اليوم هم من يبحثون عن ملجأ، الانهيار الشامل في مؤسسات الدولة، وفقدان الأمل في الإصلاح السياسي، بالإضافة إلى التهديدات العسكرية المستمرة على الحدود الجنوبية، جعل من الهجرة عبر البحر "قوارب الموت" خياراً وحيداً للكثيرين.
لم تعد قبرص، أقرب نقطة أوروبية للبنان، قادرة على استيعاب الأعداد المتزايدة، مما دفعها لإعلان حالة الطوارئ والمطالبة بدعم أوروبي عاجل لمنع تحول السواحل اللبنانية إلى نقطة انطلاق كبرى تضاهي السواحل الليبية.
كابوس 2015.. هل يتكرر المشهد؟
المخاوف الكبرى في بروكسل تكمن في تكرار سيناريو عام 2015، حين تدفق أكثر من مليون لاجئ سوري نحو أوروبا. لكن الفارق هذه المرة هو "المناخ السياسي" في أوروبا؛ فصعود أحزاب اليمين المتطرف والضغط الشعبي لتقليل أعداد المهاجرين جعل من الصعب على القادة الأوروبيين تبني سياسة "الأبواب المفتوحة". نظم اللجوء في دول مثل إيطاليا واليونان تعاني بالفعل من ضغط هائل، وأي تدفق جديد بعشرات الآلاف سيعني انهياراً كاملاً لنظام "دبلن" الذي ينظم توزيع اللاجئين.
الضغط على الحدود والحلول المتعثرة
تستعد وكالة "فرونتكس" (وكالة حرس الحدود الأوروبية) لموسم هجرة قياسي، وسط تقارير عن نشاط مكثف لشبكات التهريب الدولية التي تستغل الأزمات في طهران وبيروت. وفي محاولة استباقية، يسعى الاتحاد الأوروبي لعقد اتفاقيات "مليارية" مع دول الجوار لتشديد الرقابة الحدودية، إلا أن هذه الحلول تبقى "مسكنات" في ظل غياب استقرار سياسي حقيقي في بلدان المصدر.
وبرى الخبراء أن أوروبا اليوم أمام اختبار عسير يضع قيمها الإنسانية في كفة، وأمنها القومي واستقرارها السياسي في كفة أخرى. النزوح الكبير من إيران ولبنان ليس مجرد أرقام في ملفات اللجوء، بل هو جرس إنذار يؤكد أن تدهور الأوضاع في الشرق الأوسط لا يبقى حبيس حدوده، بل يصل مداه إلى شوارع باريس وبرلين وروما.