لم يعد الطلاق في مجتمعنا قاصراً على سنوات الزواج الأولى أو "نزوات الشباب" العابرة، بل اقتحم بضراوة أبواباً كانت تظن أنها غدت في مأمن وراء جدران الخبرة والعشرة الطويلة.
في الآونة الأخيرة، رصدت ساحات محاكم الأسرة وسجلات المأذونين ظاهرة اجتماعية تثير الدهشة والحزن في آن واحد، وهي "طلاق الستين" أو الانفصال الذي يقع عقب خروج الزوج إلى المعاش.
تلك اللحظة التي يُفترض فيها أن يقطف الزوجان ثمار تعبهما في هدوء وسكينة، تحولت لدى البعض إلى ساحة لتصفية حسابات قديمة، وصدمة للأبناء والأحفاد الذين استيقظوا على خبر "انفصال الأجداد".
أسباب الخلع بعد الستين
تتعدد الأسباب وتظل القسوة واحدة، غير أن القاسم المشترك في معظم هذه الوقائع هو ما يسميه الخبراء "الانفجار المتأخر"، خذ على سبيل المثال قصة "سيدة" طلبت الطلاق بعد 38 عاماً من الزواج، بمجرد أن أتم أصغر أبنائها زفافه، لم يكن قرارها وليد لحظة، بل كان نتيجة صمت استمر عقوداً تحت شعار "عشان خاطر العيال".
تقول بمرارة إنها تحملت الإهانات والقسوة لسنوات، وكانت تنتظر اللحظة التي تؤدي فيها رسالتها كاملة لترحل بحثاً عن كرامتها الضائعة، حتى لو كانت هذه الكرامة ستحصل عليها وهي في الخامسة والستين من عمرها.
وعلى الجانب الآخر، تبرز أزمة "الفراغ القاتل" كسبب رئيسي للانفجار الزوجي بعد سن المعاش، فالرجل الذي قضى حياته في العمل، يجد نفسه فجأة محاصراً داخل جدران البيت أربعاً وعشرين ساعة، ليبدأ في ممارسة "إدارة منزلية" خانقة لزوجة اعتادت إدارة شؤون بيتها بمفردها لعقود.
هنا تبدأ المشاحنات على أتفه التفاصيل، من ترتيب الأثاث وصولاً إلى كمية الملح في الطعام، لتتحول مائدة الغداء التي كانت تجمعهم في المناسبات إلى جبهة قتال يومية تنتهي برغبة أحدهما في الهروب من الآخر نهائياً.
قصة أخرى بطلها مهندس معاش، قرر الانفصال عن زوجته بعد بلوغه الستين بشهرين فقط، يبرر قراره بأنه اكتشف فجأة أنه يعيش مع "غريبة"؛ فقد قضيا حياتهما في الحديث عن مصاريف المدارس وزواج البنات ومرض الأبناء، وعندما اختفى الأبناء من البيت، ساد صمت مطبق لم يستطع تحمله.
هذا ما يسميه علماء النفس "متلازمة العش الفارغ"، حيث يكتشف الزوجان أن الرابط الوحيد بينهما كان "الأبناء"، ومع رحيلهم للاستقلال بحياتهم، تلاشت مبررات البقاء تحت سقف واحد، وبات كل منهما يرى في الآخر ذكراً لسنوات من الشقاء والتضحية الإجبارية.
خبراء يشرحون سبب الخلع في الستين
ويرى خبراء الاجتماع أن التغير في وعي المرأة لعب دوراً في تزايد هذه الوقائع؛ فالسيدة التي كانت قديماً ترى في الطلاق "وصمة" تلتصق بها وببناتها، أصبحت الآن أكثر جرأة في طلب الراحة النفسية، خاصة مع استقلالها مادياً أو وجود معاش يضمن لها حياة كريمة.
في المقابل، يمر الرجل بـ "أزمة منتصف العمر الثانية" بعد الستين، حيث يميل للتمرد على الروتين أو يبحث عن بداية جديدة يعوض بها ما فاته، متناسياً أن شريكة حياته هي من سهرت على راحته طوال تلك السنين.
روشتة لتفادي الخلع بعد الستين
ولتفادي هذا "الخريف العاصف"، يضع خبراء العلاقات الزوجية روشتة وقائية تتلخص في ضرورة وجود "اهتمامات مشتركة" تتجاوز شؤون الأبناء، يجب على الزوجين أن يعيدا اكتشاف بعضهما البعض قبل بلوغ سن المعاش، من خلال ممارسة هوايات مشتركة أو السفر، والأهم من ذلك هو "المساحة الشخصية".
والتقاعد لا يعني أن يذوب الزوج في حياة زوجته المنزلية، بل عليه أن يجد لنفسه نشاطاً اجتماعياً أو عملاً تطوعياً يفرغ فيه طاقته، كما يجب على الزوجة أن تقدر حجم الضغط النفسي الذي يشعر به الرجل عند تركه لمكانته الوظيفية.
إن الطلاق في سن الستين هو "جراحة مؤلمة" تترك ندبات لا تلتئم في روح العائلة، ولكنها في الوقت ذاته جرس إنذار لكل زوجين في مقتبل حياتهما بضرورة بناء علاقة قائمة على الصداقة لا على "المهام الوظيفية" فقط.
الحب الذي يصمد في وجه الشيخوخة هو ذلك الذي تغذى على التقدير والكلمة الطيبة والاهتمامات الصغيرة، لكي لا تتحول لحظة الاسترخاء بعد المعاش إلى مشهد أخير في دراما حزينة تنتهي في ردهات المحاكم، تاركة للأحفاد صورة مهتزة عن "العشرة" و"الوفاء".