- الموقف الذي تتبناه مصر - الدولة والدور - أمام العالم، إنما هو موقف راسخ وعميق داخل العقيدة والفلسفة
- الاستراتيجية المصرية تجاه أشقائها العرب لا نخفي سرا إذا قلنا إن الاتصالات بين القاهرة وعواصم عالمية وإقليمية، كانت تسعى لمنع الانفجار
انفجر الإقليم فجأة، لأن هناك من كان يرغب في ذلك، الأخطر أن الانفجار وقع في قلب شريان النفط العالمي، وبات يهدد الأمن القومي العربي، ويوسع من الحرب في مناطق ظلت آمنة لعقود طويلة، وظلت تقوم بدور اقتصادي وتنموي وتتبنى رؤية شاملة لسلام المنطقة.
هنا كانت القاهرة ترى بعين الصقر، حاولت أن تستبق الأحداث قبل الانفجار، ولا نخفي سرا إذا قلنا إن الاتصالات بين القاهرة وعواصم عالمية وإقليمية، كانت تسعى لمنع الانفجار، ذلك أنها منذ الثامن من أكتوبر 2023، حذرت بوضوح من اتساع الحرب في الإقليم، مؤكدة أن هناك أطرافا، تسعى لذلك لمصالح ضارة بالإقليم، وظلت القاهرة تحاول منع هذه الاتجاهات من السيطرة على عقل الإقليم.
لكن متطرفي الحرب، ومشعلي الحرائق، نجحوا في جر الإقليم العربي إلى عدة حروب متزامنة، في حين أن القاهرة ظلت أيضا ثابتة ومصممة أن السلام هو الطريق الوحيد لحماية استقرار المنطقة والعالم، وبرغم الدخان الكثيف، ودوي المدافع، ومناورات المسيرات، والألاعيب السيبرانية، ومغريات الطاقة، فإن القاهرة لم تتخل لحظة واحدة عن مفهومها الإستراتيجي للسلام، وأن الحرب مهما اشتد فيها السلاح، فإنها ستتوقف وستضع أوزارها بعد أن تكون قد تركت آثارها، وبصماتها على الشعوب والإقليم.
أقول ولا أخفى سرا أن القاهرة تحركت في حرب 28 فبراير 2026 منذ اللحظة الأولى، في محاولة جادة لمنع صدام السلاح، ولمنع تدمير مقدرات الشعوب العربية، وحماية الأمن القومي العربي في الخليج، ورفض الاعتداء على أي دولة عربية تحت أي ذريعة أو مبرر.
فلا شك أن الدول العربية لم تكن جزءا من مخطط الحرب بين البيت الأبيض وتل أبيب وإيران. فلا يتصور أحد أنه يمكن قبول اندلاع حرب بالقرب من أهم شريان حيوي للطاقة في العالم، وبالقرب من الممرات البحرية والمضايق، وبالتالي رأت القاهرة أن كلفة الحرب ستكون باهظة على الجميع، من حيث آثارها الاقتصادية والاجتماعية، خصوصا أن هناك من يفرد الخرائط أمامه، ويريد أن يتسع بمشروعاته على حساب المنطقة العربية.
للقاهرة دبلوماسية تتصل بالجميع داخل وخارج الإقليم، وتحظى بقبول سياسي، ولديها خبرة في التفاوض في أصعب الظروف، وقد اتصلت عبر دبلوماسيتها الاستباقية، بكل أطراف المنطقة، ووضعت أمامهم تصورا للخروج، وصمدت رغم أصوات الرصاص التي لا تتوقف، ورغم احتجاب الرؤية أمام عواصم عالمية لم تكن ترى الخطر قريبا من عالمها، حتى استفاقت على أخطر أنواع الحرب، تلك التي تدمر الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي، من خلال الأثر البالغ في رفع أسعار البترول، وقطع الطرق العالمية والممرات البحرية، والمضايق التي تتخذ العالم رهينة.
إن اتصالات القاهرة بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، صاغت مفهوما جديدا، وهو فتح خطوط الاتصال مع جميع الأطراف دون استثناء، سواء القوى الدولية الكبرى أم الدول الإقليمية المجاورة للإقليم، أم دول الإقليم نفسها، فجميع هذه الدول تنظر إلى موقف القاهرة بثقة، وتقدير للرؤية المصرية، ذلك أنها تتمتع بخبرة عريضة، ونزاهة في عرض آراء الجميع، دون انحياز إلا الدفاع عن مقدرات الأمن القومي العربي.
من ثم فإن الرئيس السيسي، واصل اتصالاته المباشرة أو عبر مبعوثيه الدبلوماسيين وعلى رأسهم وزير الخارجية د. بدر عبد العاطي، بحثا عن طريق لإيقاف الحرب، واستعادة السلام، وتمكين الأطراف المتحاربة من التفاوض على أسس الاحترام والتقدير، وصيانة سيادة الدول والشعوب، ثم جاءت زيارات الرئيس السيسي وسط الحرب إلى الأشقاء في المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، ومملكة البحرين، ودولة قطر، لتؤكد أن أمن الخليج خط أحمر، وأن الحرب في حد ذاتها مرفوضة، وفي الوقت نفسه، فإن القتال الضاري في قلب منطقة حيوية تخص العرب، أمر لا يمكن السماح به تحت أي ظرف، وأنه لا يمكن لأي قوة أن تتخذ من الخليج مسرحا للحرب.
وفي الوقت نفسه ترى القاهرة أن السلام والمفاوضات، هما الطريق الوحيد لحل المشكلات العالقة بين أطراف الصراع، وأن القوانين الدولية، هي التي يمكن أن تسود بدلا من الصدام، فالقاهرة لديها خبرات متراكمة في كيفية إنهاء الأزمات المزمنة في الإقليم، هنا أستعيد ما قاله الرئيس السيسي بأن حل القضية الفلسطينية هو بمثابة حل لكل مشكلات المنطقة كقضية مركزية طال أمدها، والرئيس هنا لا يتوقف عن النداء بأنه يجب حل هذه القضية، وقد كان لافتا للنظر أنه وسط أزيز الطائرات وأصوات المدافع، فإن الرئيس السيسي أكد ضرورة تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق غزة، في إشارة اضحة إلى أن كل ما يجري يؤكد أن القضية الفلسطينية أصل الحكاية، فالبعض وهو يثير غبار المعارك يريدنا أن ننسى، ويريد أن يطمر كل ما هو مرتبط بهذه القضية، لكن القاهرة لا تنسى، بل هي تضع الصورة كاملة أمام العالم.
في جانب الحرب الدائرة في الإقليم، تواصلت القاهرة مع دول كبرى - عربية وإسلامية - من أجل بلورة خطوط عريضة لإيقاف الحرب في الإقليم، وثانيا وضع تصور لما بعد الحرب، لذا كان اتصالها بالإدارة الأمريكية، وبالدولة الإيرانية، وكل الأطراف الإقليمية مثل تركيا وباكستان والأشقاء في الخليج، من أجل الحفاظ على مقدرات الدول العربية الشقيقة، وفي الوقت ذاته قواعد ثابتة تحمي وتصون سيادة الدول.
إن الموقف الذي تتبناه مصر - الدولة والدور - أمام العالم، إنما هو موقف راسخ وعميق داخل العقيدة والفلسفة الإستراتيجية المصرية تجاه أشقائها العرب جميعا، وكذلك تجاه دول العالم التي تحترم وتقدر سيادة الإقليم العربي، سواء كانت دول جوار أم دولا بعيدة.
إن الإقليم يواجه الآن أخطر ساعاته، لذا تتحرك القاهرة مع أصوات العقلاء في جميع الاتجاهات حتى لا يصبح الإقليم رهينة الخطر.