منال العيسوى تكتب: بين عتمة الترشيد وأنوار الوعي ساعة الصفر تقترب.. خطة إنقاذ المستقبل تعيد ترتيب أجندة الشارع المصري.. المصريون في مواجهة فاتورة المليار دولار.. كيف يتحول غلق التاسعة مساء لملحمة وطنية

الثلاثاء، 24 مارس 2026 08:00 م
منال العيسوى تكتب: بين عتمة الترشيد وأنوار الوعي ساعة الصفر تقترب.. خطة إنقاذ المستقبل تعيد ترتيب أجندة الشارع المصري.. المصريون في مواجهة فاتورة المليار دولار.. كيف يتحول غلق التاسعة مساء لملحمة وطنية منال العيسوى تكتب عن قرار غلق المحلات

كتبت منال العيسوي

لم تكن القاهرة يوماً مجرد مدينة، بل كانت دائماً "أم الدنيا" التي لا تنام، بشوارعها التي تتلألأ بالأضواء ومحلاتها التي تفتح أبوابها لآناء الليل، لكن سيبدأ فصل جديد في رواية الوعي المصرى، مع دقات التاسعة من مساء السبت المقبل الموافق 28 مارس، حيث ستبدأ الملامح البصرية لمدننا في التغير، هذا التوقيت ليس مجرد موعد لإغلاق باب محل أو إطفاء لوحة إعلانات، بل هو "ساعة الصفر" في معركة اقتصادية ضروس فرضتها التوترات الإقليمية المتلاحقة، حيث تنسحب أضواء لوحات الإعلانات العملاقة من المشهد، وتغلق المحال التجارية أبوابها، ليدخل قرار رئيس الوزراء حيز التنفيذ، إنها حقا ليست مجرد إجراءات تنظيمية، بل هي معركة "وعي قومي" تهدف لمواجهة تحديات اقتصادية عالمية فرضت نفسها على ميزانية الدولة بزيادة قدرها 1.1 مليار دولار شهرياً في فاتورة الطاقة.

نحن أمام مشهد مهيب، حيث تنسحب الأضواء الزائدة لتترك المجال لنور الوعي الجمعي، في محاولة جادة لمحاصرة فاتورة استيراد وقود استنزفت ميزانية الدولة بنحو 1.1 مليار دولار إضافية شهرياً، إنها اللحظة التي يتحول فيها المواطن من "مستهلك" إلى "شريك قرار"، ومن "متفرج" إلى "حارس" لمقدرات وطنه.

 

لماذا التاسعة مساءً؟

خلف هذا القرار الحكومي الذي اتخذه الدكتور مصطفى مدبولي، تقبع أرقام مفزعة وتحديات جيوسياسية لا تحتمل الرفاهية، فالعالم من حولنا يغلي، وسلاسل إمداد الطاقة تترنح، ما وضع الدولة المصرية أمام خيارين،  إما الاستمرار في استنزاف العملة الصعبة لتشغيل محطات الكهرباء بكامل طاقتها لإضاءة الكماليات، أو المصارحة والمكاشفة واللجوء لسياسة الترشيد الذكي.


القرار يستهدف تقليل الضغط على الشبكة القومية للكهرباء، وتوفير الغاز الطبيعي والمازوت الذي ارتفعت أسعاره عالمياً لمستويات قياسية. إن إغلاق المحال في التاسعة مساءً لا يهدف للتضييق على حركة البيع والشراء، بل هو إعادة هيكل لنمط الحياة المصري بما يتوافق مع مقتضيات الأزمة، لضمان استقرار التيار في البيوت، والمستشفيات، والمصانع التي هي عصب الاقتصاد.

 

خريطة الغلق

سيشهد الشارع المصري انضباطاً غير مسبوق، حيث سيتم تطبيق المواعيد الجديدة بصرامة تشمل المراكز التجارية والمولات،  تلك القلاع المضيئة التي تستهلك آلاف الكيلوات في الساعة، ستغلق أبوابها لتمنح الشبكة القومية "أنفاساً" هي في أشد الحاجة إليها، والمطاعم والمقاهي حيث  ستتحول من "السهر المفتوح" إلى "الخدمة المنزلية"، و يُسمح بخدمات التوصيل الديليفري على مدار 24 ساعة، ما يحافظ على استمرارية العمل دون استهلاك طاقة الإنارة والتكييف في القاعات الكبرى، وقاعات الأفراح والترفيه ستعيد ترتيب مواعيدها لتتوافق مع "زمن الترشيد"، وهو تحدٍ اجتماعي يتطلب تفهماً من العائلات المصرية التي اعتادت السهر حتى الصباح.

 

مصير لوحات الإعلانات

من أبرز ملامح هذا التحقيق هو تسليط الضوء على غابات الإعلانات المضيئة التي تملأ المحاور والطرق السريعة، القرار كان حاسماً لإغلاق كامل لكافة لوحات الإعلانات المضيئة، هذه اللوحات التي كانت تستهلك طاقة تكفي لإضاءة قرى كاملة، ستتوقف عن العمل فور دخول الموعد المحدد كذلك، سيمتد التقشف الضوئي إلى الشوارع والميادين العامة، حيث سيتم تخفيض الإنارة إلى الحد الأدنى الذي يضمن الرؤية والأمان، دون هدر، وهنا تبرز المشاركة الإيجابية؛ فالمواطن الذي يرى شارعه أقل إضاءة سيشعر بحجم المسؤولية، ويدرك أن الدولة تبدأ بنفسها قبل أن تطالب الفرد بالترشيد.

 

العاصمة الإدارية القدوة من قلب الحي الحكومي

لم يستثنِ القرار أجهزة الدولة، بل وضعها في المقدمة، فالحي الحكومي بالعاصمة الإدارية الجديدة سيغلق أبوابه ومبانيه بالكامل في تمام السادسة مساءً،  إنها رسالة رمزية وعملية قوية، مفادها الإدارة هي أول من يرشد،  هذا الإجراء سيوفر كميات ضخمة من الطاقة التي تستهلكها المباني الإدارية العملاقة، ويؤكد أن منظومة العمل الحكومي باتت تعتمد على الإنتاجية لا على ساعات التواجد تحت الأضواء.

 

فلسفة الاستثناء.. عجلة الإنتاج لا تتوقف

الوعي الحقيقي يظهر في فهم لماذا بقيت بعض الأنشطة خارج إطار الغلق،  القرار لم يكن تعتيماً شاملاً،  بل ترشيداً انتقائياً، فالصيدليات والمستشفيات بقيت مفتوحة لأن حياة الإنسان فوق كل اعتبار،  والمخابز والسوبر ماركت استُثنيت لأن الأمن الغذائي خط أحمر،  أما المصانع والمنشآت الإنتاجية، فقد سُمح لها بالعمل لضمان ألا تتأثر الصادرات أو الإنتاج المحلي؛ فالمعركة هي توفير العملة الصعبة من جهة الطاقة، وزيادتها من جهة أخرى التصنيع.

 

معركة الوعي المواطن هو البطل

إن أي قرار حكومي، مهما بلغت قوته، سيظل ناقصاً ما لم يدعمه "وعي شعبي" جبار. معركة الوعي اليوم تتمثل في إدراك المصريين أن الالتزام بمواعيد الغلق ليس خوفاً من "الغرامة"، بل هو شعور بالانتماء لبلد يمر بمنعطف اقتصادي دقيق، والمشاركة الإيجابية تبدأ من البيت، فبينما تلتزم المحلات بالغلق في التاسعة، يجب أن يسود ثقافة الإطفاء داخل كل شقة ومنزل، حيث إن توفير "لمبة" واحدة في كل بيت مصري، بالتوازي مع قرارات الغلق الكبرى، سيخلق وفراً قوميا هائلاً يجنبنا الانقطاعات الاضطرارية ويحمي موازنة الدولة من الانهيار تحت وطأة الديون الطاقية.

 

يدا بيد.. نضيء مصر بالعمل لا بالهدر

ختاماً، نحن لا نودع الأضواء في التاسعة مساءً، بل نحن نستقبل عهداً جديداً من "المسؤولية الوطنية". إن قرار الغلق هو اختبار حقيقي لقدرتنا كمصريين على التكاتف وقت الأزمات. لقد أثبت هذا الشعب عبر التاريخ أنه يمتلك "بوصلة وطنية" لا تخطئ، واليوم نحن مدعوون جميعاً -تجاراً، وأصحاب أعمال، ومواطنين- لتحويل هذا القرار إلى قصة نجاح.


التزامك اليوم بقرار الغلق، وترشيدك للاستهلاك في بيتك، هو رصاصة" في صدر الأزمة الاقتصادية، وهو استثمار في صحة ومستقبل أبنائك. لنثبت للعالم أن المصريين، حينما يدركون حجم التحدي، يتسابقون للمشاركة الإيجابية،  دعونا نطفئ الأنوار غير الضرورية، لنضيء شعلة الأمل في اقتصاد قوي ومستقر،  فالمستقبل يُبنى بالوعي، والوطن يُصان بالانتماء.


 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة