بينما تشتعل الميادين في مدريد وبرشلونة بهتافات المزارعين الغاضبين ، يلوح في الأفق شبح أزمة غذائية قد تعيد تشكيل موائد الأوروبيين من جديد، لم يعد الأمر مجرد خلاف على أسعار التوريد، بل تحول إلى معركة وجودية يقودها المزارع الإسباني ضد تغول الشركات الكبرى التي باتت تفضل البودرة المستوردة من أقصى الأرض في نيوزيلندا على الحليب الطازج المحلي.
ومع اختفاء قرابة نصف المزارع الإسبانية خلال عقد واحد، تدق أجراس الإنذار في بروكسل، فهل تفقد القارة العجوز سيادتها الغذائية لصالح سلاسل التوريد العابرة للقارات، أم أن صرخة روساريو أريدوندو ورفاقها ستجبر الحكومات على لجم جشع الكبار قبل جفاف آخر قطرة حليب محلي؟"
يشهد قطاع الألبان في إسبانيا توترًا غير مسبوق، مع تصاعد احتجاجات مزارعي الأبقار ضد ما وصفوه بـ الانتهاكات والتجاوزات من قبل شركات الألبان الكبرى، ويخشى المزارعون من أن استمرار هذه الأزمة سيجبر الإسبان، وربما الأوروبيين، على الاعتماد على الحليب المجفف المستورد من دول بعيدة مثل نيوزيلندا بدل الإنتاج المحلي.
استغلال الشركات الحليب.
وقالت روساريو أريدوندو، مزارعة وعضوة في اللجنة التنفيذية لمنظمة COAG، إن الشركات الكبرى تستخدم نفوذها للسيطرة على العقود والأسعار، مستغلة أن الحليب منتج سريع التلف، ولا يمكن تخزينه انتظارًا لأسعار أفضل، وأضافت أن هذا الوضع أدى إلى اختفاء نحو 47% من مزارع الألبان الإسبانية خلال العقد الماضي، وهو ما يعكس هشاشة القطاع في مواجهة قوى السوق الدولية.
ارتفاع تكاليف الإنتاج والضغوط على المزارعين
وزاد ارتفاع أسعار الغاز والأعلاف والكهرباء ، من الضغوط على مزارعى الألبان، ما يجعلهم أقل قدرة على التفاوض على عقود عادلة مع الشركات الكبرى ، وتواجه المزارع الصغيرة والمتوسطة صعوبة فى الصمود ، خصوصا مع تقدم عروض أسعار منخفضة للغاية لا تغطى تكاليف الإنتاج.
وحذر المزارعون من أن استمرار انخفاض أسعار الشراء سيؤدي إلى توقف جزء كبير من الإنتاج المحلي، ما قد يجبر السوق الإسباني على استيراد الحليب المجفف من نيوزيلندا والدول الأخرى المنتجة لتلبية احتياجات المستهلكين.
تداعيات الأزمة على أوروبا
أزمة الألبان الإسبانية ليست محلية فقط، بل لها انعكاسات كبيرة على سوق الحليب الأوروبي، حيث تعتبر إسبانيا من أكبر منتجي الحليب في الاتحاد الأوروبي، وتمثل حوالي 13% من إجمالي إنتاج الاتحاد، أي تراجع في الإنتاج المحلي قد يرفع أسعار الحليب والألبان في باقي الدول الأوروبية مثل فرنسا، ألمانيا، وإيطاليا، التي تعتمد على واردات إضافية لتعويض العجز.
وقد سجلت الأسواق الأوروبية مؤخرًا ارتفاع أسعار منتجات الألبان بنسبة 6–8%، بسبب مزيج من انخفاض الإنتاج المحلي وارتفاع تكلفة الاستيراد من دول بعيدة، وتواجه سلاسل التوزيع ضغطًا إضافيًا نتيجة زيادة تكاليف النقل والتأمين على المنتجات المستوردة، خصوصًا من دول مثل نيوزيلندا وأستراليا.
المنافسة العالمية وتأثيرها على المزارعين
يشير الخبراء إلى أن الشركات الكبرى تستغل المنافسة العالمية للسيطرة على السوق، مما يضع مزارعي الألبان في موقف ضعف. ويعتمد الاتحاد الأوروبي على تنظيم الأسعار ودعم المزارعين المحليين للحفاظ على استقرار الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على المستوردين البعيدين، لكن ضعف الرقابة والسياسات الحالية يسمح باستمرار هذه الضغوط.
حلول مطروحة
يؤكد المزارعون والمنظمات الزراعية على أهمية:
تثبيت أسعار عادلة تغطي تكاليف الإنتاج.
حماية المزارع الصغيرة والمتوسطة من الانهيار أمام الشركات الكبرى.
تشجيع الاستهلاك المحلي وتقليل الاعتماد على الواردات من نيوزيلندا والدول الأخرى.
التنسيق الأوروبي لضمان استقرار سوق الألبان وحماية الأمن الغذائي.
وتمثل أزمة الألبان في إسبانيا مثالًا واضحًا على التوازن الهش بين الإنتاج المحلي والمنافسة العالمية. استمرار الضغط على المزارعين سيؤدي إلى انخفاض الإنتاج المحلي ورفع أسعار الحليب والألبان في أوروبا، ما قد يدفع المستهلكين إلى الاعتماد على الواردات من دول بعيدة، مثل نيوزيلندا، مع تبعات اقتصادية واجتماعية كبيرة على القطاع الزراعي الأوروبي.
التحرك المبكر من السلطات الإسبانية والأوروبية ضروري لضمان استمرارية الإنتاج المحلي، حماية المزارعين، واستقرار الأسعار، مع التركيز على سياسات دعم عادلة ومستدامة تحافظ على الأمن الغذائي في إسبانيا وأوروبا معًا.