كانت الساعة الخامسة صباح 8 مارس 1970، حين وقعت أربعة انفجارات فى ميناء «أبيدجان» بساحل العاج، التى تغير اسمها إلى «كوت ديفوار»، واستمع مصريون إليها، وهم عناصر من المخابرات المصرية والضفادع البشرية التابعة للقوات البحرية، كانوا فى المدينة الأفريقية لتنفيذ هذه العملية فى الحفار الذى استأجرته إسرائيل، للتنقيب عن البترول فى مياه خليج السويس خلال احتلالها سيناء بعد نكسة 5 يونيو 1967، حسبما يذكر أمين هويدى، رئيس جهاز المخابرات المصرية وقتئذ فى كتابه «أضواء على النكسة وحرب الاستنزاف».
يكشف «هويدى»: «استأجرت إسرائيل الحفار كينتنج لهذه المهمة، وكان إنجليزيًا، اشترته شركة أمريكية كندية سجلت نفسها فى دنفر بالولايات المتحدة الأمريكية يجره جرار هولندى، وكان بذلك حفارًا دوليًا»، وفى المقابل، صممت مصر على عدم تنفيذ هذا المخطط بأى شكل، وأعطى الرئيس جمال عبدالناصر تعليماته بذلك، وبدأت المخابرات فى التخطيط، وتولى ضابط المخابرات المشهور محمد نسيم قيادة المخطط، وأخذت العملية اسما كوديا هو «الحاج»، ويضيف «هويدى»: «إن الأبطال المصريين سمعوا صوت الانفجارات من بعيد وكأنها أصوات أنغام، وبعد ساعات استقلت جماعة طائرة إلى باريس فى طريق عودتهم إلى القاهرة، أما أفراد الجماعة الثانية فطاروا إلى أكرا عاصمة غانا فى طريق العودة إلى القاهرة، ولم يبق هناك إلا قائد العملية محمد نسيم».
يؤكد «هويدى»: إن «نسيم» صمم على أن يكون آخر من يغادر المكان، كما كان أول من وصل إليه ليلتقط بعض الصور الفوتوغرافية، وكان شكل الحفار يختلف عن صوره الأولى قبل أن يصاب، أنواره مطفأة، النار تلتهم الجزء الأكبر منه، وكان يميل على أحد جانبيه.
أنعم الرئيس عبدالناصر على أبطال العملية بالنياشين، وحسب «هويدى» أذاعت وكالة «الفرانس بيرس» نبأ ضرب الحفار فى سطور قليلة، وفرض على النبأ حظر شديد حتى لا يتداول، واللافت أنه رغم عظمة العملية فإن وسائل الإعلام المصرية لم تقترب منها إلا بعد فترة، وتناولتها نقلا عن مصادر أجنبية دون الإشارة إلى دور مصر من بعيد أو قريب، ففى يوم الاثنين 23 مارس «مثل هذا اليوم» عام 1970 نشرت الأهرام الخبر التالى:
«أول أنباء من أبيدجان عن نسف الحفار.. عدة انفجارات وقعت على ظهر الحفار وأصيب بأعطاب شديدة».
أما تفاصيل الخبر فكانت: «خرجت من أبيدجان أول أمس أنباء عن حادث نسف الحفار الذى استقدمته إسرائيل للبحث عن البترول فى خليج السويس قرب شاطئ سيناء، وقالت هذه الأنباء التى نقلتها الوكالة الفرنسية عن الدوائر وثيقة الاطلاع فى عاصمة ساحل العاج: إن محاولة تخريب الحفار حدثت يوم 18 مارس».
يؤكد «هويدى»: إن العملية وقعت يوم 8 مارس، حيث وقعت على ظهره عدة انفجارات أحدثت به أعطابا ظاهرة، وعلى الأخص فى القاعدة والبرج، وهذه أول مرة تذاع فيها أنباء عن تلك العملية التى وقعت منذ أربعة أيام، وظلت طوال الوقت سرا إلى أن نشرتها الصحف البريطانية، نقلا عن الأنباء التى تسربت من ساحل العاج، ووصلت إلى باريس ثم نقلت إلى لندن، وأضافت برقية للوكالة الفرنسية أن سلطات البوليس فى ساحل العاج بدأت تحقيقا لمعرفة أسباب الانفجارات، ولكن حتى أمس «22 مارس» لم يلق القبض على أحد».
أضافت «الأهرام»: «قالت الصحف البريطانية إن الحفار أصيب بأعطاب شديدة، خاصة فى برجه الرئيسى، وعلم أيضا أن القاطرة الهولندية «جاكوب، فون، ايمز، ايرو» التى تجر الحفار منذ خروجه من أحد الموانئ الكندية، وفى الأغلب ميناء أتاوا بكندا قد سحبته منذ أيام قليلة إلى أحد الموانئ الأفريقية، التى يوجد فيها حوض جاف كبير لبدء محاولات إصلاح الحفار».
يذكر «هويدى» أن الأهرام عادت وتحدثت فى الموضوع يوم 5 يونيو 1970، وكتبت تحت عنوان «الشركة الكندية تلغى عقدها مع إسرائيل للبحث عن البترول فى خليج السويس»، وقالت: «إن الشركة كينتنج للبترول أعلنت رسميا إلغاء مشروع استخدام حفار البترول البحرى التابع لها للتنقيب عن البترول فى خليج السويس، وهذا الحفار نسف فى ميناء أبيدجان فى مارس الماضى، وقالت الصحف البريطانية وقتها: إن الكوماندوز المصريين هم الذين نفذوا وقاموا بالعملية، ووصفوها بأنها كانت قاصمة لمشروعات إسرائيل فى خليج السويس».
وقالت «الأهرام»: «كانت الأنباء قد تسربت فى نوفمبر الماضى 1969 حول منح إسرائيل للشركة الكندية «كينتنج للبترول» عقدا بنصف مليون دولار للتنقيب عن البترول فى خليج السويس، وعلم بعد ذلك أن شركتين أخريين دخلتا فى العملية وهما شركة «كينتنج» الأمريكية و«ميدبار» أحد فروع «كينتنج» المسجلة فى بريطانيا، وتألفت خصيصا من باطن الشركتين لتفادى أى ضغط محتمل من الحكومات الكندية والأمريكية لوقف العملية، وكانت حكومة الجمهورية العربية المتحدة «مصر» قد أبلغت حكومات هذه الدول بأنها تحملها مسؤولية قانونية وسياسية لسماحها لشركة كندية وبريطانية وأمريكية بالقيام بأعمال تنقيب عن البترول فى خليج السويس»، وأضافت «الأهرام»: «بعد ذلك فرض حظر شديد فى وكالات الأنباء العالمية حتى لا يتداول، إذ كانت كرامة أكثر من دولة قد دفنت هناك بعيدا فى المحيط».