في وقت تتسع فيه التحديات الاقتصادية والاجتماعية، تواصل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية أداء دور اجتماعي ممتد، لا يقتصر على الإطار الروحي، بل يمتد ليشمل التعليم والصحة والعمل والإيواء ودعم الفئات الأولى بالرعاية.
ومن خلال لجنة وسكرتارية الرعاية الاجتماعية بالمقر البابوي، تشكلت منظومة عمل تعتمد على التخطيط وقواعد البيانات والحوكمة، بهدف الوصول إلى كل أسرة محتاجة وضمان عدالة توزيع الدعم، وذلك بحسب الموقع الرسمي للكنيسة القبطية الأرثوذكسية.
هذا التحرك جاء بدعم مباشر من قداسة البابا تواضروس الثاني، الذي وجه بحصر شامل لأسر الرعاية الاجتماعية على مستوى إيبارشيات الجمهورية، عبر إنشاء قاعدة بيانات موحدة يكون مفتاحها الرقم القومي لكل فرد، بما يمنع التكرار ويضمن الدقة والشفافية في تقديم المساعدات.
قاعدة بيانات موحدة.. "رقم قومي واحد لكل أسرة"
التحول الأبرز في منظومة الرعاية كان الانتقال من الاجتهادات الفردية إلى العمل المؤسسي المنظم.
فتم إطلاق برنامج إلكتروني يربط الإيبارشيات والكنائس عبر نظام هرمي، يسمح بتسجيل الأسر، وتحديث بياناتها، ورصد المساعدات المقدمة لها، سواء شهرية أو موسمية، بطريقة تشبه نظم المعاملات البنكية في الدقة والتوثيق.
ويتميز البرنامج بـ:
- سرية كاملة للبيانات.
- رقم خاص لكل أسرة على مستوى الجمهورية.
- إمكانية انتقال ملف الأسرة تلقائيًا حال تغيير محل الإقامة.
- وجود جزء سري لا يطلع عليه سوى الكاهن المختص بالحالات المستترة.
الهدف لم يكن فقط تقديم مساعدة آنية، بل بناء صورة حقيقية لاحتياجات المجتمع، من خلال إحصائيات دقيقة عن المرض، والتعليم، والبطالة، وأعباء الزواج، وغيرها، بما يساعد في ترتيب الأولويات.
"لا يُحرم أحد".. 10 مبادئ تحكم العمل
ارتكزت منظومة الرعاية الاجتماعية على عشرة مبادئ أساسية، تعكس فلسفة الخدمة، من بينها:
- لا يُحرم جائع من طعام.
- لا يُحرم مريض من علاج.
- لا يُحرم طفل من التعليم.
- لا يُحرم شاب من عمل.
- لا تُحرم فتاة من زواج.
- لا يُحرم إنسان من إيواء.
هذه المبادئ تُترجم عمليًا إلى برامج متخصصة تستهدف احتياجات مختلفة، بحيث لا يقتصر الدعم على المساعدات النقدية، بل يمتد إلى تمكين وتنمية حقيقية.
التعليم أولاً.. "علم ابنك"
تحت شعار "لا يُحرم طالب من تعليم"، أطلقت الكنيسة برنامج "علم ابنك" لدعم طلاب الأسر البسيطة من خلال مجموعات تقوية منظمة داخل الكنائس، بشروط وضوابط واضحة.
وقد بدأ البرنامج في عدد من الإيبارشيات، بهدف تقليل الفجوة التعليمية ورفع مستوى الطلاب غير القادرين، بما يساهم في خلق جيل أكثر قدرة على المنافسة.
الدعم لا يقتصر على الدروس فقط، بل يشمل أيضًا مساعدات في مصروفات المدارس والمعاهد والكليات، وفقًا لدراسة حالة دقيقة لكل أسرة.
"بنت الملك".. صندوق أمان للزواج
من أبرز البرامج ذات البعد المجتمعي برنامج "بنت الملك"، الذي يهدف إلى مساعدة الفتيات غير القادرات في نفقات الزواج.
ويعتمد البرنامج على إصدار دفاتر توفير للفتيات في سن مبكرة، تُخصص حصيلتها للمساهمة في تكاليف الزواج عند الوقت المناسب، بما يخفف العبء عن الأسرة ويحد من الضغوط الاقتصادية المرتبطة بهذه المرحلة.
البرنامج حظي بدعم من هيئات وجمعيات خيرية ومحبي الخير داخل مصر وخارجها، ليصبح نموذجًا لفكرة الادخار المجتمعي المنظم.
"شنطة البركة".. دعم غذائي يحرك الاقتصاد المحلي
في القرى والمناطق الصحراوية، تُوزع شهريًا "شنطة البركة" التي تحتوي على مواد تموينية أساسية.
لكن الفكرة لا تتوقف عند تقديم الغذاء، بل تتجاوزها إلى تنشيط الاقتصاد المحلي، حيث يتم شراء مستلزمات الشنطة من تجار وبقالين وأصحاب محال دواجن ولحوم داخل القرى نفسها، بما يخلق دورة اقتصادية مصغرة تدعم المجتمع ككل.
ويتم تحديد عدد الشنط بناءً على عدد الأسر المسجلة في قاعدة البيانات، لضمان العدالة في التوزيع.
وثيقة أمان.. تأمين على عائل الأسرة
ضمن منظومة الحماية، يجري التعاون مع وزارة التضامن الاجتماعي في برنامج "وثيقة أمان"، وهي شهادة تأمين تصدرها البنوك المصرية لتأمين حياة عائل الأسرة.
وقد ساهمت تبرعات محبي الخير في تمكين عدد من الأسر البسيطة من الاشتراك في هذه الوثيقة، بما يضمن حماية مالية لأفرادها حال حدوث طارئ.
المشروعات الصغيرة.. من الإعانة إلى الإنتاج
إيمانًا بأن المساعدة المستدامة هي التي تُخرج الأسرة من دائرة الاحتياج، تبنت سكرتارية الرعاية الاجتماعية تمويل المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر.
ويتم ذلك عبر دراسة جدوى لكل مشروع، بالتنسيق مع كاهن الكنيسة المختصة، ثم تمويله ومتابعته، بما يضمن تحقيق دخل مستقر للأسرة.
هذا التوجه يعكس انتقالًا من فلسفة الإعانة إلى التمكين، بما يحقق كرامة العمل ويعزز الاعتماد على الذات.
الإغاثة وقت الأزمات.. نموذج كورونا
خلال جائحة كورونا عام 2020، لعبت سكرتارية الرعاية الاجتماعية دورًا في دعم الإيبارشيات المتضررة، سواء عبر مساعدات معيشية للأسر التي فقدت مصادر دخلها، أو عبر دعم علاج المصابين.
ووصلت المساعدات إلى عشرات الإيبارشيات على مستوى الجمهورية، في تجربة أكدت أهمية وجود قاعدة بيانات جاهزة للتحرك السريع وقت الأزمات.
منظومة مفتوحة للمشاركة المجتمعية
تعتمد الخدمة على تواصل دائم بين الكنائس والإيبارشيات والجمعيات الأهلية ومحبي الخير، بهدف خلق شبكة دعم متكاملة.
كما يُعقد لقاء سنوي برئاسة قداسة البابا مع المطارنة والأساقفة وكهنة الإيبارشيات لمراجعة ما تم إنجازه، وتطوير آليات العمل.
خدمة إنسانية بروح "الجسد الواحد"
في جوهرها، تقوم المنظومة على فكرة "الجسد الواحد"؛ أي أن احتياج جزء يؤثر في الكل.
ومن خلال قاعدة البيانات الموحدة، والإحصاءات الدقيقة، وتعدد البرامج بين التعليم والزواج والغذاء والعمل والتأمين، تسعى الكنيسة إلى تحقيق عدالة توزيع المساعدات والوصول إلى الأكثر احتياجًا أينما كان.
وبين التخطيط الرقمي والعمل الميداني، تتشكل تجربة اجتماعية يمكن قراءتها كنموذج لإدارة العمل الأهلي المؤسسي، حيث تتحول المبادئ الإنسانية إلى برامج قابلة للقياس والتنفيذ، ويصبح الدعم عملية منظمة لا ترتبط بالموسم، بل بمنظومة مستدامة تخدم المجتمع بأسره.