يصنف محصول القمح كأحد الركائز السيادية فى منظومة الأمن الغذائى المصرى، لذا تبنت الدولة استراتيجية شاملة ترتكز على محورين مضاعفة الإنتاجية ومحاصرة الفاقد، حيث تهدف هذه الجهود بشكل مباشر إلى تقليص الفجوة الغذائية والحد من استنزاف العملة الصعبة فى الاستيراد.
وتتجلى أهمية هذه التحركات فى كون القمح هو المادة الخام لـ "رغيف الخبز"، الذي يمثل العمود الفقرى للمائدة المصرية وعنصراً لا يتجزأ من الهوية الثقافية والغذائية للمجتمع."
وصف الدكتور محمد علي فهيم رئيس مركز معلومات المناخ بوزارة الزراعة، محصول القمح بأنه "أبو الزروع جميعاً"، ليس فقط لكونه غذاءً أساسياً لأكثر من 3 مليارات نسمة حول العالم، بل لكونه "سلاحاً استراتيجياً" يمنح من يمتلكه سيادة القرار وأمن الأمان الغذائى.
لماذا تتفوق دول العالم فى "كم" الإنتاج؟
أوضح فهيم، أن سيطرة خمس دول "الهند، الصين، روسيا، أمريكا، والاتحاد الأوروبى" على أكثر من نصف إنتاج العالم من القمح لا تعود لسر خفي، بل لمعادلة بسيطة تتلخص فى المساحات الشاسعة، الاعتماد الكلى على الأمطار، والتكلفة الزهيدة، فبينما تزرع الصين وحدها 350 مليون فدان بتكلفة إنتاج للطن لا تتعدى 100 دولار بفضل "مياه السماء"، تعانى مصر من محدودية الرقعة والموارد المائية، الطفرة المصرية من 5 إلى 25 أردباً للفدان.. ورغم التحديات، حققت الدولة المصرية طفرة نوعية فى "الإنتاجية الرأسية".
واستعرض فهيم رحلة تطور الفدان المصري:
الثمانينيات: 5 أردب للفدان.
التسعينيات: 8 - 10 أردب.
الآن: المتوسط العام تجاوز 20 أردباً، مع تحقيق مزارعين لإنتاجية تصل إلى 25 أردباً.
وأوضح أن هذا النجاح لم يكن وليد الصدفة، بل نتاج جهود مركز البحوث الزراعية في استنباط أصناف محسنة تتميز بمقاومة الأصداء الثلاثة، ومقاومة "الرقاد"، والأهم هو "قصر العمر" (143 - 155 يوماً)، مما يسمح للمحصول بالهروب من موجات الحرارة المبكرة التي كانت كفيلة بخفض الإنتاجية بنسبة 50%.
وأضاف أن زراعة 3.5 مليون فدان بالأصناف المحسنة أضافت 6 مليون طن زيادة سنوية، بقيمة سوقية تتجاوز 120 مليار جنيه، ناهيك عن توفير شهر كامل في الدورة الزراعية يوفر للدولة حوالي 5 مليارات جنيه إضافية.
لماذا نستورد رغم التطور؟
أجاب فهيم بصراحة عن السؤال الشائع: "لماذا لا نحقق الاكتفاء الذاتي الكامل؟"، مرجعاً ذلك إلى ثلاثة عوائق طبيعية وبشرية:
الاستهلاك الضخم، حيث تستهلك مصر نحو 20 مليون طن قمح سنوياً.
ندرة المياه فنصيب الفرد في مصر أقل من 400 متر مكعب سنوياً، بينما يصل في دول أخرى لآلاف الأمتار.
طبيعة المناخ فمصر بلد جاف بمعدل أمطار يقترب من "الصفر" عملياً مقارنة بروسيا وفرنسا (1000 - 1500 مم سنوياً).
القمح أم البطاطس؟
دافع رئيس مركز معلومات المناخ عن سياسة "الاكتفاء الذاتي النسبي"، موضحاً أن استغلال الميزة التنافسية هو المحرك الاقتصادي الأذكى، فبينما يعطي فدان القمح 3 أطنان، يعطي فدان البطاطس أكثر من 15 طناً وبسعر تصديري أعلى بكثير.
وأوضح أن المعادلة الاقتصادية لقيمة الصادرات المصرية من الخضر والفاكهة (المزروعة في أقل من مليون فدان) تعادل قيمة استيراد 30 مليون طن قمح.
أضاف رئيس مركز معلومات المناخ، أن مصر اليوم تحتل المركز الأول عالمياً في إنتاجية وحدة المساحة (الفدان)، لكن الزيادة الأفقية تبقى مرهونة بموارد الأرض والمياه.
وتابع أن الأمن الغذائي الحقيقي لا يعني زراعة كل شيء في كل وقت، بل يعني إدارة الموارد بذكاء، وتحقيق توازن اقتصادي يضمن ربحية المزارع وتوافر الغذاء للمواطن.