في ظل التحول الرقمي المتسارع الذي تشهده الدولة، باتت الفضاءات الإلكترونية ساحة جديدة لنمط من الجرائم المتطورة التي لا تعتمد على العنف البدني، بل على "الاختراق المعلوماتي" وسلب الخصوصية.
ومن هنا، يفتح اللواء عمرو الشرقاوي، الخبير الأمني، خزانة أسراره المهنية ليقدم لليوم السابع دليلاً استراتيجياً مستفيضاً حول كيفية حماية أنفسنا من جرائم الإنترنت ومخاطر الابتزاز الرقمي، مؤكداً أن الوعي هو حائط الصد الأول قبل البرمجيات والأنظمة الأمنية المعقدة.
يرى اللواء عمرو الشرقاوي أن نقطة الضعف الكبرى في أغلب المنازل تبدأ من جهاز "الراوتر"، ذلك الصندوق الصغير الذي يربطنا بالعالم، ولكنه قد يفتح أبوابنا أمام الغرباء إذا لم يتم تأمينه بشكل احترافي.
ويوضح الشرقاوي أن أولى خطوات التأمين تبدأ بتغيير "كلمة المرور الافتراضية" للوحة تحكم الراوتر نفسه، وليس فقط كلمة سر الواي فاي. فالمخترقون يبحثون دائماً عن الأجهزة التي تركت إعدادات المصنع كما هي، ليسهل عليهم الدخول والتحكم في حركة البيانات الصادرة والواردة من وإلى كافة الهواتف والحواسب في المنزل.
ويستطرد الخبير الأمني في نصائحه حول تأمين "الواي فاي"، مشدداً على ضرورة اختيار بروتوكول تشفير قوي والابتعاد تماماً عن الأنظمة القديمة التي يسهل كسرها في دقائق.
كما ينصح "بإخفاء اسم الشبكة لتقليل فرص استهدافها من قبل القراصنة العابرين، مع ضرورة تعطيل خاصية (WPS) التي تعد واحدة من أخطر الثغرات التي تتيح للمخترقين تجاوز كلمة السر والاتصال بالشبكة مباشرة.
وبالانتقال إلى حماية الحسابات الشخصية على منصات التواصل الاجتماعي، يشير اللواء عمرو الشرقاوي إلى أن "الهوية الرقمية" للإنسان أصبحت مطمعاً للعصابات الإلكترونية لاستغلالها في عمليات نصب أو ابتزاز.
ويؤكد أن اعتماد "المصادقة الثنائية لم يعد رفاهية، بل هو ضرورة قصوى تجعل من عملية الاختراق أمراً شبه مستحيل، حيث تتطلب العملية رمزاً إضافياً يرسل إلى هاتف المستخدم الشخصي، مما يمنع المخترق من الدخول حتى لو امتلك كلمة المرور.
وفي سياق متصل، يحذر الشرقاوي من "فخ الروابط المجهولة"، وهي الوسيلة الأكثر شيوعاً للاستيلاء على الحسابات. ويوضح أن المهاجمين يستخدمون أساليب "الهندسة الاجتماعية" من خلال إرسال رسائل توهم المستخدم بأنه فاز بجائزة، أو أن حسابه البنكي سيغلق، أو حتى إرسال روابط لصور وفيديوهات مثيرة للفضول. وبمجرد الضغط على الرابط، يتم تحميل برمجيات خبيثة تقوم بسحب "ملفات التعريف" (Cookies) أو تسجيل ضربات المفاتيح، وهو ما يمنح المخترق سيطرة كاملة على الجهاز.
كيفية مواجهة الابتزاز الرقمي
أما عن قضية "الابتزاز الرقمي"، فيتوقف اللواء عمرو الشرقاوي عندها طويلاً، واصفاً إياها بأنها "جريمة تقتل الضحية نفسياً قبل مادياً". ويوضح أن المبتز يعتمد دائماً على عنصر المفاجأة والترهيب، محاولاً دفع الضحية للانهيار والاستجابة لمطالبه المالية أو الأخلاقية.
وهنا يوجه الشرقاوي نصيحة حاسمة: "لا تمنح المبتز ما يريد، فالثقة بالمجرم وهم كبير". ويؤكد أن الاستجابة الأولى بالدفع هي البداية لسلسلة لا تنتهي من الابتزاز، بينما القطع الفوري للتواصل وإبلاغ الجهات الأمنية هو الحل الجذري.
ويكشف الخبير الأمني عن آليات التعامل مع هذه الجرائم، موضحاً أن الدولة أنشأت منظومة أمنية تكنولوجية متطورة تابعة لوزارة الداخلية، تضم نخبة من الضباط المهندسين القادرين على تتبع "الأثر الرقمي" للجناة مهما حاولوا التخفي خلف عناوين وهمية أو برامج لتغيير الموقع الجغرافي.
وينصح كل من يتعرض للابتزاز بتصوير "سكرين شوت" للمحادثات والتهديدات، والتوجه فوراً إلى المقر الرئيسي لمباحث الإنترنت بميدان العباسية أو مديريات الأمن بالمحافظات، أو الاتصال بالخط الساخن (108) المخصص لهذه الجرائم.
كيفية حماية الأطفال
وفيما يخص حماية الأطفال والمراهقين، يشدد اللواء عمرو الشرقاوي على دور الأسرة في المراقبة الواعية وغير المتسلطة. وينصح باستخدام تطبيقات "الرقابة الأبوية" التي تسمح بتحديد المحتوى المناسب للأطفال ومراقبة الوقت الذي يقضونه عبر الإنترنت، مع ضرورة بناء جسور ثقة تجعل الطفل يلجأ لوالديه فور تعرضه لأي مضايقات إلكترونية دون خوف من العقاب. فالقراصنة والمتحرشون إلكترونياً يبحثون دائماً عن الضحايا الذين يشعرون بالعزلة أو الخوف من أهلهم.
مخاطر التطبيقات المشبوهة
كما يتطرق الشرقاوي إلى مخاطر "التطبيقات المشبوهة" التي تطلب أذونات لا تتناسب مع وظيفتها، مثل تطبيق لتعديل الصور يطلب الوصول إلى جهات الاتصال أو سجل المكالمات والموقع الجغرافي. ويرى أن هذه التطبيقات هي في الحقيقة "أدوات تجسس" شرعية يوافق عليها المستخدم بمحض إرادته دون قراءة الشروط، مما يسهل عملية بناء قاعدة بيانات شاملة عنه يمكن استخدامها ضده لاحقاً.
واختتم اللواء عمرو الشرقاوي حديثه بالتأكيد على أن الأمن الرقمي هو ثقافة يومية تبدأ من "الشك الصحي" في كل ما هو مجاني أو مجهول على الإنترنت. فكلمة المرور القوية، وتحديث أنظمة التشغيل دورياً، وعدم مشاركة الخصوصيات الزائدة، والوعي بطرق التبليغ الرسمية، هي الأسلحة الحقيقية في هذه الحرب الصامتة.
ويؤكد أن القانون المصري الحالي يوفر حماية واسعة للمواطنين ويغلظ العقوبات على جرائم تقنية المعلومات، بما يضمن ردع المجرمين واسترداد حقوق الضحايا، لتظل التكنولوجيا وسيلة للبناء والرفاهية لا أداة للهدم والتهديد.
بناءً على هذا الشرح المستفيض، يتضح أن حماية النفس في الفضاء الرقمي تتطلب توازناً بين الإجراءات التقنية والوعي السلوكي.
إن الالتزام بروشتة اللواء عمرو الشرقاوي ليس مجرد حماية للبيانات، بل هو حماية للمستقبل وللسلام النفسي والاجتماعي في ظل عالم أصبح فيه الإنترنت جزءاً لا يتجزأ من واقعنا المعاش، وهو ما يفرض علينا أن نكون دائماً "خطوة للأمام" في مواجهة قراصنة العصر الرقمي.