- هكذا تحدث الرئيس عن الحرب في إيران غضب كبير من الاعتداء على الأشقاء العرب
- كيف استقرت قواعد الأمن القومي في مصر بينما تشتعل الصراعات الدامية في الشرق الأوسط
- إغلاق مضيق هرمز والتحديات الاقتصادية العاصفة على الاقتصاد المصري
- الرئيس الذي نجا بمصر من الإرهاب ومن الفشل الاقتصادي يعرف الطريق وسط انفجارات الحرب في إيران
في كل عام يأتي العاشر من رمضان محملا بمعنى يتجاوز حدود الذكرى العسكرية، فهو ليس فقط يوما في سجل الانتصارات، بل لحظة تتجدد فيها الثقة في قدرة هذا الوطن على العبور، حين تتعانق الإرادة مع التخطيط، ويتحول الصبر إلى فعل، والقلق إلى نصر، لذلك لم يكن إفطار القوات المسلحة هذا العام مجرد مناسبة رمضانية دافئة، بل منصة سياسية واعية، اختار منها الرئيس عبد الفتاح السيسي أن يتحدث في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، واضعا المصريين أمام صورة كاملة للمشهد، من دون تهوين، ومن دون تهويل.
.jpeg)
من داخل هذه الرمزية التاريخية، جاءت كلمة الرئيس لتضع المشهد الإقليمي في إطاره الحقيقي، بعيدا عن الانفعال، وقريبا من الحسابات الدقيقة، فقد بدا واضحا أن الأزمة الراهنة ليست في نظره مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل خطر أمني واسع التأثير على الدول العربية الشقيقة، وعلى توازن المنطقة كلها، وهو ما يفسر تركيزه المباشر على رفض الاعتداء على الدول، وعلى تأكيد دعم مصر الكامل لأشقائها في الخليج، في لحظة يحتاج فيها الإقليم إلى صوت عاقل، وظهير قوي، ورسالة واضحة بأن أمن العواصم العربية ليس تفصيلا في معادلة الأمن القومي المصري.

اللافت كذلك أن الرئيس أشار، بهدوء الواثق، إلى أنه بذل جهدا قبل أن تقع الحرب، في محاولة لتقريب وجهات النظر بين الولايات المتحدة وإيران، وهذه الإشارة تكشف عن جانب مهم من إدارة الدولة المصرية للأزمات، فهي لا تتحرك فقط بعد اشتعال الموقف، بل تسعى منذ البداية إلى تجنب الانزلاق إلى هاوية الصدام، هذا السلوك الدبلوماسي المتزن يعكس خبرة تراكمت عبر سنوات، ورغبة حقيقية في حماية المنطقة من انفجارات لا يتحملها أحد.

ومع اندلاع المواجهات، لم تتراجع مصر إلى مقعد المتفرج، بل سارعت إلى إظهار دعم واضح للأشقاء الذين يتعرضون لهجمات، في معادلة دقيقة تجمع بين الدعوة إلى التهدئة، والالتزام الأخلاقي والسياسي بمساندة الدول العربية، وهنا تتجلى قيمة الدور المصري الذي يجمع بين الحكمة والصلابة، وبين حسابات العقل ودفء الانتماء العربي.
.jpeg)
ثم نصل إلى النقطة الأكثر عمقا في الخطاب، حين تحدث الرئيس عن إغلاق مضيق هرمز، وعن تداعيات ذلك على تدفقات البترول، وعلى قناة السويس، فهذه ليست مجرد إشارة اقتصادية، بل قراءة شاملة للأبعاد الإنسانية والاجتماعية والمعيشية للحرب، فارتفاع أسعار الطاقة يعني ضغطا على ميزانيات الدول، واضطراب التجارة يعني توترا في الأسواق، وتأثر قناة السويس يعني تحديا مباشرا لأحد أهم موارد الدولة المصرية.

هنا يظهر جوهر الرسالة، مصر في رحلة نموها منذ انتخاب الرئيس السيسي استطاعت أن تحلق بعيدا، حتى في زمن العواصف، فمنذ سنوات وهي تتحرك في بيئة دولية مضطربة، جائحة كورونا التي أربكت العالم، الحرب الروسية الأوكرانية التي ضربت سلاسل الإمداد ورفعت أسعار الغذاء، أحداث السابع من أكتوبر وما تبعها من حرب في غزة وتوترات في البحر الأحمر، ضربات الحوثيين التي أثرت على الملاحة، الأزمة في السودان، التوترات في الخليج، ثم الحرب الحالية، سلسلة متصلة من الضغوط الخارجية التي كان يمكن أن تعصف بأي اقتصاد نامٍ.
.jpeg)
ورغم ذلك، ظلت مصر قائمة، لم تتوقف مشروعاتها القومية، لم تتعطل خططها الاستراتيجية، بل استمرت في بناء مدن جديدة، وتطوير شبكة طرق غير مسبوقة، وتوسيع قدراتها في الطاقة، وتعزيز احتياطياتها النقدية، وتحقيق معدلات نمو في ظروف عالمية شديدة القسوة، ولو لم تكن هذه المؤثرات الخارجية المتلاحقة، لكانت مصر اليوم في موقع اقتصادي أكثر تقدما، لكن ما يحسب للدولة أنها لم تجعل من العواصف ذريعة للتراجع، بل حولتها إلى دافع لمزيد من البناء.

إشارة الرئيس إلى مضيق هرمز تحمل بين سطورها تأكيدا على استعداد الدولة المصرية لكل الاحتمالات، وعلى أن هناك خططا بديلة وسيناريوهات مدروسة، وهي إشارة تكشف كذلك عن قوة بنية اقتصادية أعيد تشكيلها خلال سنوات الإصلاح، بحيث تكون قادرة على امتصاص الصدمات، لا سيما في ظل احتياطي نقدي يدعم الاستقرار، ومؤسسات مالية تعمل وفق قواعد واضحة، ومشروعات إنتاجية تسعى إلى تقليل الاعتماد على الخارج.
.jpeg)
وفي خلفية هذا المشهد الاقتصادي، تقف قوة عسكرية كبيرة أعيد بناؤها وتحديثها خلال السنوات الماضية، فالدولة التي تطمح إلى النمو تحتاج إلى حماية، والرئيس حين ختم كلمته بعبارة أن أحدا لا يستطيع الاقتراب من هذا البلد، كان يتحدث بثقة قائد يعرف قدر جيشه، ويعرف أن الردع الحقيقي هو صمام الأمان الأول لكل مسار تنموي.

القراءة المتأنية للكلمة تربط بينها وبين مسار كامل من الإنجازات، الرئيس وعد بالقضاء على الإرهاب، وخاضت الدولة معركة صعبة انتهت بتجفيف منابع التطرف في سيناء، ووعد بالحفاظ على استقرار الدولة في محيط مضطرب، فبقيت مصر بعيدة عن حروب الاستنزاف، ووعد بإعادة صياغة علاقاتها الدولية، فنجحت في بناء شبكة توازنات واسعة مع قوى الشرق والغرب، من دون ارتهان، ومن دون تنازل عن المصالح الوطنية.

من هذا المنظور، تبدو كلمة إفطار القوات المسلحة هذا العام امتدادا طبيعيا لفلسفة حكم تقوم على الاستقرار كقيمة عليا، وعلى التخطيط طويل المدى كمنهج، وعلى الصراحة مع الشعب كأساس للثقة، فهي كلمة تعترف بالتحديات، وتقدر حجم المخاطر، لكنها في الوقت نفسه تعبر عن إيمان عميق بقدرة هذا الوطن على الاستمرار في التقدم، مهما تعددت العواصف من حوله.
وفي ختام هذه القراءة، يمكن القول إن الرسالة الأهم التي حملها الخطاب هي أن مصر ليست دولة تنتظر الظروف المثالية كي تنمو، بل دولة تبني في قلب التحديات، وتحافظ على تماسكها في قلب العواصف، وتوازن بين دورها الإقليمي ومسارها الداخلي، مستندة إلى قيادة تتابع وتخطط، ودولة تعمل وتستعد، وشعب صبور يدرك أن الاستقرار هو الجسر الذي تعبر عليه كل أحلام التنمية، وهي رسالة تترك في النفس طمأنينة هادئة، وثقة متجددة بأن هذا الوطن، بقيادته ومؤسساته وشعبه، ماضٍ في طريقه بثبات ووعي، مهما تغيرت الرياح من حوله ، وأياً كانت قسوة العواصف .

