واصل الشعب المصرى ثورته التى بدأت يوم 9 مارس عام 1919، وفى اليوم العاشر منها، وكان يوافق الأربعاء 19 مارس - مثل هذا اليوم - تنوعت أشكال التعبير بين أعمال شغب شديدة يقوم بها «الرعاع»، وسقوط قتلى، وتعطل المواصلات داخل القاهرة وخارجها، حسبما يؤكد الشيخ عبدالوهاب النجار فى مذكراته «الأيام الحمراء» وهى عن ثورة 1919، ويذكر: «أصبحنا فى هذا اليوم والحال على ما هى عليه من وقوف المواصلات حتى إن كثيرين من أهل الترف والنعيم الذين ليس لهم عربات خاصة ولا سيارات إنما يذهبون إلى أعمالهم ركبانا على عربات «الكارو».
يضيف النجار: «فى هذا اليوم شاهدت فريقا من القوة التى أعدت من الجيش الإنجليزى لإبطال المظاهرات أمس، وظلت رابضة فى أمكنتها إلى الليل وهذا الصباح، ورأيت فى ميدان باب الخلق عدة مدافع رشاشة مع العساكر، وشاهدت فى كل مكان من منافذ شارع الخليج قوة من الجنود الإنجليز بالسلاح الكامل، وتواجد العساكر الإنجليز بكثرة فى جهات المشهد الحسينى والأزهر والسكة الجديدة، وبعد الظهر سحب بعض هذه القوات، وكان كل عشرة من العساكر أو خمسة عشر معهم أسلحتهم وإلى جانبها الخوذ الفولاذية يلبسونها عند إطلاق الرصاص ومعهم مدفع «مترليوز» رشاش، وشاهدت هذه المدافع بكثرة فى جميع الميادين وجهات الأزهر والمشهد الحسينى، وأغرى بعض الناس جماعة من الصبيان لمعاكسة جنديى مدفع بالرمى بالحصا حتى إذا ما التفتا إلى الصبية، أسرع طالب فى المدرسة الثانوية اسمه ماهر أمين إلى المدفع فأخذه وجرى، فضربه جندى بالرصاص فسقط قتيلا بعد أن سار بالمدفع نحو عشرين مترا، واستعاد الجنود المدفع».
يذكر «النجار» أن «محمد مجيب فتحى بك» من أعيان القاهرة ووجهاء قسم السيدة زينب حدثه بأن السيدات المصريات أردن القيام بمظاهرة رتبنها وأعددن العدة لها، وأوفدن أربعة من الشابات لمخاطبة حكمدارية بوليس القاهرة للإذن بها، فأخبرنا بأن هذا الأمر من اختصاص أحد الجنرالات إلى «سفواى» فقوبلن بالإجلال على عادة الأوربيين مع الناس، وطلبن مقابلة الجنرال الذى سمح لهن فجاء ومعه ثلاثة من الضباط وحياهن وسألهن حاجتهن، فقلن «أننا نريد القيام بمظاهرة من السيدات خاصة لإعلان عواطفنا نحو الحالة الراهنة»، فقال: «وهل تردن إذنا بذلك»، فقلن: «لا، لأننا لا نريد إذنا على سيرنا فى شوارع بلادنا، ولكننا نريد أن نأمن تعرض العساكر الإنجليزية لنا»، وبينما هن على هذه الحال دخل عبد الرحيم صبرى باشا محافظ القاهرة ونصح لهن بالعدول عن القيام بالمظاهرة، لأنها ستكون سببا لحدوث مجزرة فى الرجال إذا اعتدى معتد من الإنجليز عليهن، فأقتنعن بذلك، وخرجن عن نية العدول عن المظاهرة».
كانت الشائعات تجد طريقها للرواج فى ظل هذه الظروف الملتهبة، ويذكر النجار أغربها وهى: «أن مديرية أسيوط أعلنت استقلالها عن الحكومة المصرية وأن الذين أعلنوا هذا الاستقلال هم الأهالى»، ويبدى النجار دهشته منها قائلا: «الخبر أراه عريقا فى الوهم لأنى لا أعتقد أن أهالى البلاد يبلغ بهم السخف وضعف الإدراك وفساد التقدير أن تسوغ لهم أنفسهم هذا العمل الصبيانى، والملك كما نعلم جميعا يحتاج إلى مال جم ورجال بارعين فى كل فن، وخاصة فى أمور الحرب وطرق الدفاع والهجوم، وأسيوط أضعف من كل بلد فى هذا كله، على أن الذين تدور على ألسنتهم هذه الإشاعة لا يذكرون من عين ملكا على هذه المملكة أو الامبراطورية الأسيوطية الحديثة، ولا يسمون أحدا من الحضرات أصحاب الدولة والمعانى وزراء هذه الامبراطورية، ومن هو ذلك النادر الكفاءة الذى ابتز من علام باشا مديرها صولجان السلطة».
وعن نشاط «الرعاع»، ينقل عبدالرحمن فهمى «قائد التنظيم السرى للثورة» فى الجزء الأول من مذكراته «يوميات مصر السياسية»: «حدث تلف عظيم فى خطوط السكة الحديدية والتلغرافات فى أماكن مختلفة من مديرية القليوبية، وهجم الرعاع فى أحد الأماكن على فصيلة صغيرة من الجنود فأطلق هؤلاء النار أولا فى الهواء، ولكنهم أضطروا بعد ذلك إلى إطلاق النيران على الرعاع فقتلوا منهم ستة، وقتل فى طوخ وقها خمسة من المشاغبين بنيران البنادق ، وقبض فى بنها على 57 شخصا واسترد كمية من الأمتعة المسروقة، وساعد الأهالى فى قها على حل أجزاء طيارة - كانت قد أكرهت على النزول إلى الأرض وتحطمت، وشحنتها فى قطار من قطارات البضاعة»، ويضيف فهمى: «هجمت قوة كبيرة من البدو فى مدينة الفيوم على رجال الحرس، ولكنها صدت بعد أن تكبدت خسارة 400 من القتلى والجرحى».