جمال الكشكي يكتب: الموقف المصرى ما يجرى وما جرى.. إشارة الرئيس السيسى عن القضية الفلسطينية وسط هذا الانفجار تنم عن رؤية مصرية ثاقبة.. القاهرة تدرك أن هذه الحرب ستنتهى لكنها تقرأ صورة الأيام التالية لهذه النهاية

الثلاثاء، 17 مارس 2026 07:00 م
جمال الكشكي يكتب: الموقف المصرى ما يجرى وما جرى.. إشارة الرئيس السيسى عن القضية الفلسطينية وسط هذا الانفجار تنم عن رؤية مصرية ثاقبة.. القاهرة تدرك أن هذه الحرب ستنتهى لكنها تقرأ صورة الأيام التالية لهذه النهاية جمال الكشكي يكتب عن الموقف المصرى ما يجرى وما جرى

- الحاضر يؤكد أنه لا خيارات أمام الخرائط العربية سوى تشكيل قوة عربية مشتركة
- الموقف المصرى لم يتوقف لحظة واحدة، عن التحرك تجاه الأشقاء فى الخليج

تستطيع أن تشعل عود الثقاب فى كومة قش، لكنك لا تستطيع السيطرة على الحريق.

الحرب ليست لعبة، ولا تغريدة على مواقع التواصل الاجتماعى، إنما الحرب - حسب التعريف المتواتر - هى سياسة بوسائل أخرى، لكن الحرب الحالية التى اندلعت يوم 28 فبراير 2026، حرب لا تشبه أخرى، فقد اندفعت الولايات المتحدة الأمريكية، وإسرائيل معا، فى هجوم كاسح على إيران، وهى المرة الأولى التى يشارك فيها البلدان معا فى حرب معلنة، كان الهدف فلسفة قطع الرأس، وإعلان الانتصار، ولم يتخيل مشعلو الحريق، أن الأمر يمس عصبا عاريا، وهو الطاقة العالمية، وشريانها الحيوى فى العالم.

إن نظرية الحرب الخاطفة السريعة، وإعلان الانتصار، فشلت، فكما قلت: الحرب ليست لعبة، وهنا أستعيد المبادرة، والمبادأة المصرية التى سارعت بإصدار بيان منذ اليوم الأول لاندلاع الحرب، أعلنت فيه ضرورة حل المسائل بين الدول بالدبلوماسية والحوار السياسى، ورفض الاعتداء الإيرانى على دول الخليج الشقيقة، التى تمثل قلب الأمن القومى العربى، بالنسبة لمصر والمنطقة العربية والعالم، وفى نفس الوقت سعت إلى إيقاف الحرب الدائرة بين الأطراف الأمريكية والإسرائيلية، والإيرانية، منعا لكارثة عالمية غير مسبوقة.

 


إن مصر التى خبرت الحروب منذ النصف الثانى من القرن العشرين، وأدركت السلام وبادرت به منذ نهاية سبعينيات القرن الماضى، تدرك أن ثمن الحروب باهظ، ومكلف، ولا نهاية له، وبالتالى سارعت إلى إعلان موقفها الواضح فى حماية دوائرها الإستراتيجية.

أولى هذه الدوائر كان اتصال الرئيس عبدالفتاح السيسى، بقادة وزعماء دول الخليج، والأردن والعراق، ثم التحرك الدبلوماسى الذى قام به وزير الخارجية المصرى، د. بدر عبد العاطى، بتكليف من الرئيس السيسى، لوضع صورة كاملة أمام العالم بأن مصر، أولا ترفض المساس بأمن واستقرار وسيادة دول الخليج، تلك التى ترفض مبدأ الحرب، ولم تسع إليها، ولم تهاجم الطرف الإيرانى، بل هى التى تلقت صدى الحرب، ولا تزال تملك الصبر الإستراتيجى فى عدم توسيع الحرب، إدراكا منها بأن الحروب يدفع ثمنها العالم كله، خصوصا أننا رأينا قفزات أسعار النفط العالمية، وتأثير ذلك على جميع أنحاء العالم.

الحقيقة أن مرتكزات الموقف المصرى، تقوم على حماية مقدرات الإقليم العربى، وفى القلب منه دول الخليج الشقيقة، باعتبارها استكمالا لدوائر الأمن القومى العربى، وثانيا منع توسيع الحرب إقليميا، أو دوليا، من خلال اتصالاتها الدبلوماسية النشطة، وقد رأينا كيف تمت الاتصالات بين الرئيس السيسى، والرئيس الفرنسى ماكرون، ومع زعماء آخرين فى محاولة لإيقاف الحرب، ومنع توسيعها، والعودة إلى مائدة المفاوضات بين الأطراف المتحاربة.

إن مصر تحظى بمصداقية سياسية على مستوى الإقليم والعالم، ولم يتغير موقفها فى كل القضايا الشائكة، وقد سمعنا الرئيس السيسى، وهو يؤكد أثناء فاعليات يوم الشهيد، أو إفطار الأسرة المصرية، أو ليلة القدر، على الموقف المصرى، ومنع الحروب، وتأكيده على أن القضية الفلسطينية هى لب الصراع فى الشرق الأوسط، وإذا تم إنصافها، فإن هذا الإقليم المنكوب بالحروب، سوف يخرج آمنا، ويستقر العالم.

1-1857860


إذا ما نظرنا إلى الموقف المصرى فى لبنان، وما يجرى من اعتداءات إسرائيلية مستمرة، فإننا نجد أن هذا الموقف يقوم على رفض هذه الاعتداءات، وفى نفس الوقت تمكين الدولة الوطنية اللبنانية من سيادتها، والسيطرة على قرار الحرب والسلام فيها.

لاشك أن إشارة الرئيس السيسى عن القضية الفلسطينية، وسط هذا الانفجار، تنم عن رؤية مصرية ثاقبة تذهب مباشرة إلى جوهر الاضطراب فى الشرق الأوسط، وتؤكد أن ما يجرى على هامش هذه القضية، هو من توابع المأساة الأصلية، أى احتلال الأراضى الفلسطينية دون أفق أو سلام، واستغلال جميع الأطراف لهذا الجرح النازف منذ ثمانين عاما.

 


إذن، مصر تنظر إلى الإقليم العربى، كدائرة إستراتيجية واحدة، وترفض الاعتداء على أى جزء من هذه الدائرة، خصوصا إذا كان هذا الجزء هو الأهم بالنسبة للعالم، وبالنسبة لمصر، وهو دول الخليج الشقيقة، التى تقوم بدور النواة القوية اقتصاديا وسياسيا، فى قلب المنظومة العربية.

من هذا المنطلق تتحرك القاهرة، تجاه أشقائها بقوة وعمق وانحياز كامل لاستقرارهم، والحفاظ على سيادتهم، وصيانة أمنهم القومى، وورفض تام لأى عدوان تحت أية ذرائع.

والقاهرة تدرك أن هذه الحرب ستنتهى، لكنها تقرأ صورة الأيام التالية لهذه النهاية، وتتحرك لتشكيل رؤية إستراتيجية تقوم على حماية الأمن القومى العربى، وتمنع تكرار مثل هذه الحروب التى يؤخذ فيها الإقليم رهينة لأوهام ومخططات تهدف إلى السيطرة على الممرات البحرية، والبرية، ومصادر الطاقة، أو تلك التى تهدف إلى تكوين إمبراطوريات عائدة من التاريخ، أو تلك التى تتوهم بتكوين دولة كبرى على أراضى الإقليم العربى.

مصر تقرأ هذه المخاطر والأخطار جيدا، وتتحرك ضمن فلسفة إستراتيجية عميقة، من خلال اتصالات واضحة مع القوى الكبرى، خصوصا الاتحاد الأوروبى، والصين، وروسيا، ناهيك عن الولايات المتحدة الأمريكية، ومن خلال بصيرتها الدبلوماسية، تقدم تصورا شاملا لكيفية تصفية مفاهيم الحروب أو الفوضى من المنطقة الحيوية للعالم، وقد أدركت تلك الأطراف أن «السلام»، هو الذى يحمى الممرات، وسلاسل الإمداد، وانفتاح شرايين المواصلات بين الدول، وليس الحرب أو سلام القوة أو التفاوض تحت النار.

 


إن الموقف المصرى، لم يتوقف لحظة واحدة، عن التحرك تجاه الأشقاء فى الخليج، وهذا أمر قاطع وحاسم وواضح، فدول الخليج، والعراق، والأردن، إنما هى جوهر الحالة العربية التى باستقرارها يستقر الإقليم.

أعتقد أن الحرب الحالية سوف تنتهى دون أن يحقق أطرافها أى هدف، وبالتالى، فإن العرب مدعوون إلى تقديم رؤية إستراتيجية شاملة، تمنع تكرار هذه اللعبة الخطيرة، فثمة دروس مستفادة، وإن كانت بكلفة باهظة، أول هذه الدروس، أن تصاغ رؤية عربية مشتركة، على قدم المساواة بين كل الأطراف العربية، وتتحرك دبلوماسيا، مع جميع القوى الحيوية فى العالم، أما ثانى الدروس، فهو ضرورة حل القضية الفلسطينية حلا نهائيا، فهى القضية الأصلية لكل صراعات المنطقة.

وعلى المجتمع الدولى، أو ما بقى منه أن يتحرك فى هذا السياق وحده، ثالث هذه الدروس إخلاء الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل، ومنع امتدادات القوى المجاورة للإقليم، إلى داخل الحالة العربية بذريعة قضية فلسطين.
ثلاثة دروس مستفادة يجب أن نضعها - نحن العرب - أمام أنظارنا، فالحاضر يؤكد أنه لا خيارات أمام الخرائط العربية سوى تشكيل قوة عربية مشتركة على مختلف الأصعدة، السياسية والاقتصادية والعسكرية.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة