فى هذا البيت الذى يقع بميدان تريومف بمصر الجديدة لم يكن التسامح والمحبة مجرد شعارات، ولكنها تفاصيل حياة يومية وذكريات منحوتة فى قلب ووجدان كل من عاش فيه، هلال وصليب يتعايشان تحت سقف واحد، أم وابنتها تجمعهما كل مشاعر الحنان والمحبة رغم اختلاف الديانة، وأحفاد تحثهم الجدة المسيحية على الالتزام بفروض الإسلام والصلاة والصيام.
كل هذه التفاصيل كانت منهج حياة فى بيت المنتجة والفنانة الكبيرة آسيا داغر أم السينما المصرية وعميدة المنتجين، التى قدمت عدداً من أفلاماً خالدة، منها: الناصر صلاح الدين، ورد قلبي، أمير الانتقام وحياة أو موت، ولم تنحصر عظمتها في الاستوديو فقط، بل في بيتها وتعاملها مع ابنتها الفنانة منى داغر التى اشتهرت بأدوار الفتاة الشريرة وخطافة الرجال، والتى قررت فى منتصف الرحلة اعتناق الإسلام.
اقرأ أيضا..
ولدت آسيا داغر عام 1901 في قرية تنورين بلبنان، وهناك كانت أولى خطواتها في عدد من أفلام السينما الصامتة، ومنها فيلم تحت ظلال الأرز، قبل أن تقسو عليها الحياة برحيل زوجها، ليتركها مع طفلتهما الرضيعة «إيلين» - التي ستعرفها الشاشة لاحقًا باسم منى داغر – والمولودة فى 13 نوفمبر عام 1923.
قررت آسيا أن تحمل ابنتها وتهاجر إلى مصر مع شقيقتها وابنة شقيقتها الطفلة وقتها ماري كويني، ومن هناك بدأت الرحلة، من الصفر كما حكى لنا حفيدها محمد على برهان قبل رحيله.
كانت آسيا من أوائل الشوام الذين دخلوا السينما المصرية، وشاركت فى عدد من الأفلام، ثم أسست شركة «لوتس» للإنتاج.
الغريب – كما حكي الحفيد لليوم السابع – أنها كانت لا تقرأ ولا تكتب، لكنها كانت تملك ذكاءً فنيًا فطريًا، فساهمت في اكتشاف أسماء كبيرة مثل هنري بركات وحسن الإمام وحلمي رفلة، وقدّمت نجومًا صاروا جزءًا من تاريخ الفن، ومنهم الشحرورة صباح.
وسط هذا العالم الصاخب، كانت طفلتها «إيلين» تكبر، ورغم ذلك لم تكن تخطط لتكون ممثلة، كما يؤكد ابنها: "أمى لم تدخل المجال الفنى بدافع الحلم، بل دخلته لإنقاذ موقف"
ويفسر ذلك قائلاً: "حين رفضت ممثلات كثيرات دور الفتاة الشريرة، اقترح المخرج هنري بركات على جدتى أن تقوم ابنتها بهذا الدور، وبالفعل غيرت أمى اسمها ليصبح منى داغر، ووقفت أمام الكاميرا، واستمرت فى هذا الطريق نحو عشر سنوات، من 1944 حتى 1954، في أدوار محدودة أغلبها أدوار شر، ولم تعمل إلا في إنتاج والدتها"
يبتسم حفيد آسيا وهو يقول :"أجرها لم يكن سوى الفساتين التي ترتديها في الأفلام"
يكشف محمد على برهان أن التحول الأكبر في حياة والدته لم يكن فنيًا: "والدتي أسلمت في الأربعينيات، قبل زواجها من والدي المهندس علي برهان، وجدتي لم تعترض".
اقرأ أيضا..
لم يكن الأمر صادمًا فى هذه العائلة، فكما يصف الحفيد، كان الجو مهيأ لتقبل الاختلاف، فابنة شقيقة آسيا، ماري كويني، تزوجت من المخرج أحمد جلال، وظلت على ديانتها حتى وفاتها، ودُفنت في مقابر الأقباط.
وقال برهان: "تزوجت والدتى من والدى المهندس على برهان، وانفصلت عنه عام 1953 بعدما أنجبتنى أنا وأختى تفيدة، وبعده تزوجت من على منصور المحامى الذى كان يتولى قضايا والدتها الفنانة والمنتجة الكبيرة آسيا وأنجبت منه ألفت وسمية"
لم تفترق آسيا عن ابنتها بعد إسلامها، عاشت معها ومع أحفادها فى عمارة لوتس - الشهيرة بعمارة آسيا- والتى كانت من أوائل العمارات فى ميدان تريومف بمصر الجديدة ، ويصف الحفيد أجواء المنزل الذى جمع الجدة المسيحية والأم والأحفاد المسلمين، قائلاً :" عشنا مع أمي وجدتي في بيت واحد حتى النهاية، كان بيتنا نموذجًا للتعايش بين الهلال والصليب، جدتي كانت تقول لنا: الحاجة العيب ما تتعملش، والعيب في كل الأديان واحد"
كانت المنتجة الكبيرة -طبقاً لحفيدها- تحتفظ بالإنجيل بعهديه، وتضع القرآن تحت رأسها، وتواظب على سماعه يوميًا من الراديو، وتشجع أحفادها على أداء الشعائر الديدينة ، فتوقظ حفيدها قائلة: “مش هتنزل تصلي الجمعة؟”.
وفي رمضان، كان التعايش الدينى يتجلى فى أعظم صوره ببيت آسيا، الأم والأحفاد يصومون، ويؤدون الصلوات الخمس، والجدة تستمع معهم إلى القرآن الكريم وتنتظر الآذان، بل أنها تمتنع عن الطعام والشراب طوال اليوم حتى يجتمعوا جميعاً على مائدة الإفطار، التى تشترك الجدة والأم فى تحضيرها حيث كانت المنتجة الكبيرة تجيد الطهى وتتفنن فى صنع الأطباق لأحفادها.
ومع تقدم السن مرضت آسيا وعانت من ألزهايمر لمدة 5 سنوات قبل وفاتها، ونسيت كل شيئ إلا ابنتها التى بقيت تحت قدميها ترعاها أحسن رعاية، وعادت الأم لتناديها باسم "إيلين" كما كانت تناديها فى طفولتها.
يصف الحفيد المشهد الثابت فى ذاكرته لجدته خلال هذه المرحلة، قائلاً:" الشئ الوحيد الذى كانت تفعله دائماً هو التسبيح، حتى أنها كانت تمسك بطرف الشال الخاص بها وتسبح عليه، ورحلت عن علمنا عام 1986"
وكشف محمد على برهان حقيقة المنشورات والشائعات على مواقع التواصل الاجتماعى التى تحدثت عن والدته منى داغر بأنها أول مسيحية وأول ممثلة تدفن فى البقيع، قائلاً: "والدتي أدت العمرة مرة واحدة في السبعينيات، وحاولت أن تذهب مرة ثانية ولكن توفى زوجها الثانى على منصور، وبعد العمرة الأولى عادت وعاشت لسنوات حتى توفيت ودفنت فى مقابر المسلمين بالقاهرة فى 27 مايو عام 2000.
هكذا كان بيت آسيا التى لم تقتصر عظمتها فى كونها صنعت أفلامًا خالدة، لكنها صنعت بيتاً تتعانق فيه الأديان.
.jpg)
بيوت-الحبايب-فى-رمضان
.jpg)
بيوت-الحبايب-فى-رمضان
.jpg)
بيوت-الحبايب-فى-رمضان
.jpg)
الرئيس السادات
.jpg)
يوسف وهبي
.jpg)
بيوت الحبايب
.jpg)
بيوت-الحبايب-فى-رمضان
.jpg)
.jpg)
بيوت-الحبايب-فى-رمضان