كانت الساعة الواحدة والنصف بعد ظهر يوم 15 مارس، مثل هذا اليوم، 1978 حين اتصل الرئيس السادات تليفونيا بوزير الخارجية محمد إبراهيم كامل، وسأله فى صوت ملأه التثاؤب عن السبب الذى أدى بالأخير إلى الاتصال به عدة مرات فى الصباح، حسبما يذكر «كامل» فى مذكراته «السلام الضائع»، مشيرا إلى أنه كان يتصل من مبنى وزارة الخارجية، وكان السادات فى استراحة القناطر الخيرية «محافظة القليوبية».
كان الاتصال فى اليوم التالى لغزو إسرائيل لجنوب لبنان والذى بدأ يوم 14 مارس 1978، ويذكر محمد إبراهيم كامل فى مذكراته: «فى صباح اليوم التالى للغزو الإسرائيلى لجنوب لبنان اتصلت تليفونيا بالرئيس السادات فى استراحة القناطر الخيرية لأعرض عليه البيان الذى أعددته لأصدره باسم وزير خارجية مصر حول العدوان الإسرائيلى على لبنان، إلا أنى لم أتمكن من محادثته لأنه كان لا يزال نائما، وعاودت الاتصال به بعد ذلك عدة مرات فى فترات متباعدة دون جدوى، فبادرت بإصدار البيان دون انتظار رأى السادات فيه إذ كان الموقف محرجا للغاية بالنسبة لمصر خاصة أمام العالم العربى وهى ترى الجيش الإسرائيلى ينتهك سيادة لبنان بالاعتداء على أراضيها والتعدى على قرارها وأهاليها، ويمارس عملية إبادة منظمة للفلسطينيين دون أن تحرك ساكنا»، وأدان البيان العدوان الإسرائيلى، وقال إن هذا العدوان الواسع النطاق يعنى أن إسرائيل ما زالت تتصور أن الأمن الإسرائيلى يمكن تحقيقه عن طريق العدوان والاحتلال والتوسع.
يذكر كامل أنه أجاب على سؤال «السادات» عن سبب اتصاله به بقوله، إن الأمر يتعلق بالهجوم الإسرائيلى على لبنان، فرد السادات ضاحكا: «هل أعطوهم العلقة ولا لسه»، ويعلق كامل: «لم يخطر ببالى ما يقصده، فقلت متسائلا «أفندم؟»، فقال: يعنى أدبوهم ولا لسه؟»، وفهمت أخيرا أنه يقصد إن كان قد تم للإسرائيليين تلقين الفلسطينيين درسا بسبب العملية التى قام بها الفدائيون».
تمت العملية الفدائية يوم 11 مارس 1978، حيث دخل 11 فدائيا بقيادة المناضلة الشابة دلال المغربى الأراضى الفلسطينية المحتلة لأسر جنود إسرائيليين لمبادلتهم بأسرى فلسطينيين، لكن العملية تحولت إلى مسار آخر حيث استولى الفدائيون على أتوبيس، وتوجهوا به إلى تل أبيب، لكن القوات الإسرائيلية دمرته بمن فيه، فقتل 30 إسرائيليا، واستشهد ثمانية فدائيين ومعهم دلال المغربى ابنة العشرين عاما، وفقا لما يذكره «صلاح خلف - أبو إياد» فى مذكراته «فلسطينى بلا هوية»، وفى تقديرات أخرى بلغ عدد القتلى الإسرائيليين 42.
يصف كامل حالته الصعبة نتيجة تعليق السادات، قائلا: «كان الدم يندفع إلى شرايين رأسى وأنا أجيبه: «لقد حدث العكس ولقن الفلسطينيون الإسرائيليين درسا»، ويضيف كامل: «شرعت أقص عليه آخر المعلومات التى وصلتنى عن المقاومة الباسلة التى يتصدى بها الفلسطينيون والقوى الوطنية للهجوم الإسرائيلى، إذ يبدو أنهم قد أعدو أنفسهم إعدادا جيدا لتوقعهم قيام إسرائيل بعملية مضادة داخل لبنان، وكان يستمع لكلامى فى شىء من الدهشة، ثم أخبرته عن البيان الذى أصدرته، فقال: «حسنا فعلت»، وانتهت المكالمة».
يعلق كامل على هذه المكالمة التى أثارت لديه شكوكا كبيرة، قائلا: «كنت أتفهم شعوره بعض الشئ - وإن لم أتفق معه - فقد كان غاضبا على منظمة التحرير الفلسطينية لانضمامها لجبهة الرفض وتهجمها عليه، كما أنه اعتبر - وكان هذا تقديرى أيضا - العملية الفدائية التى قاموا بها داخل إسرائيل موجهة ضد مبادرته لإحراجه أمام الدول العربية، وقطع الطريق على من قد يفكر فيها فى الانضمام إلى مبادرته وخاصة الأردن، إلا أن الأمر كان فى رأيى أكبر من غزيرة التشفى».
يكشف «كامل» أنه توصل بعد نحو ثلاث سنوات من «الغزو» إلى سر كلمة السادات له» هم أعطوهم العلقة ولا لسه»، قائلا: «عندما صدر كتاب» معركة السلام «لعايزرا وايزمان» «رئيس إسرائيل من 13 مايو 1993 -13 يوليو 2000» قرأ فيه أنه تم بعث رسالة هامة إلى السادات بعد الاتفاق على نصها بين رئيس وزراء إسرائيل مناحم بيجين، وموشى ديان، ووايزمان، تقول: «بدأ قواتنا عملية محدودة على الحدود اللبنانية لإزالة قواعد الإرهابيين من المنطقة، وأتعشم أن هذه العملية المحدودة لن تعطل المحادثات بين بلدينا».
يعلق كامل: «عادت بى الذاكرة إلى المحادثة التليفونية بينى وبين السادات منذ ثلاث سنوات، وفهمت سر لهجته الهادئة ونبراته الضاحكة وهو يسألنى عن درس التأديب، فقد كان يعلم - قبل ذهابه إلى النوم - من الرسالة التى تلقاها أن إسرائيل بدأت «عملية محدودة» على الحدود مع لبنان، كما فهمت سر دهشته وأنا أنقل إليه أخبار المعركة، كان قد صحا لتوه من النوم عندما طلبنى ولم يكن يخطر بباله أن «العملية المحدودة» قام بها جيش قوامه ثلاثون ألف جندى معززا بالطائرات والدبابات والأساطيل».