نعى السفير التركي فى مصر، صالح موطلو شن المؤرخ التركي إلبر أورتايلي وقال إن المؤرخ الكبير كان يحمل لمصر مكانة عالية فى قلبه.
ونشر السفير التركى مقتطفا من كتابة المؤرخ الراحل عن مصر والذى قال فيه " فى كل مرة أزورها، ذلك الإرهاق والتذمّر والحزن الذي أشعر به يتحوّل هناك، منذ اليوم الذي أغادرها فيه، إلى شوقٍ وحنين. لا شكّ أنّ مصر هي حقًّا «أمّ الدنيا»، وهي أمّ العالم الحديث."
وأضاف المؤرخ الراحل: قبل مجئ الأديان السماوية، كان المصريون القدماء قد طوّروا تصوّراتهم عن العالم الآخر، وعن الأساطير وطقوس الموت. وكانوا يجرون العمليات الحسابية الأربع والهندسة بطرق أسهل وأكثر عملية حتى من اليونانيين. أمّا علم الكيمياء فقد اشتُق اسمه من «شيميا»، أي من الاسم القديم لمصر نفسها.
وتابع قائلا: إنّ مصر هي من أسس أصل قواعد الصحّة والنظافة. فكلّ شيء كان منظّمًا هناك بدقّة، من العناية بالأظافر والقدمين من أجل النظافة، إلى قوائم الأطعمة. ومعرفة التشريح من خلال دراسة الجثث لم تكن من إنجاز جامعتي بادوفا وبولونيا في أواخر العصور الوسطى، بل كانت من عمل الكهنة المصريين. فقد كانوا، بدافع معتقداتهم، يدرسون جسم الإنسان أثناء قيامهم بعملية التحنيط. وعندما استولى الرومان على مصر، اكتسبوا نظامًا ماليًا حقيقيًا وخصائص الدولة المنظّمة. فقد تعلّموا من المصريين قياس الأراضي وفرض الضرائب.
وتابع: إنّ الحضارة لا تبدأ مع اليونان، بل تبدأ مع بلاد الرافدين، ولكن يبدو أنّ الثراء الذي وفّره نهر النيل ودلتا النيل أوجد، من حيث الاستمرارية والاتساق، حضارةً مهيبةً مثل حضارة مصر.سواء شئت أم أبيت، وسواء علمت أم لم تعلم، فنحن جميعًا مصريون؛ لأنّ المسألة مسألة حضارة وجودية. إنّ مصر تعرف كيف تنهض من جديد، وهي بلد لا تموت أبدًا. وفي مصر تلوح ملامح النهوض حتى في أكثر الأماكن غير المتوقَّعة.
واستطرد: ففي الأحياء القديمة من القاهرة لا تزال المباني القديمة تُرمَّم؛ ومن أمثلة ذلك ترميم جامع أحمد بن طولون الذي يعود إلى سنة 750م. لكن عندما ننظر إلى ما حوله نرى أن ترميمًا آخر يلوح في الأفق. ففي باب زويلة (بوابة الجنّ) يبدأ شارع المعزّ لدين الله، وهو أكثر شوارع القاهرة تصويرًا وجمالًا؛ شارع طويل تحيط به آثار تعود إلى المماليك والعثمانيين. وعندما غزا نابليون بونابرت مصر في مطلع القرن التاسع عشر، كان عدد السبيل كُتّاب — أي السبيل ومعه مدرسة الحيّ الصغيرة — يبلغ سبعمائة، ومن أجمل نماذجها ما يوجد هنا. أمّا سبيل محمد علي باشا المشيَّد فوق صهريج للمياه، فهو أشبه بنموذج من النهضة العثمانية في أواخر عهد العثمانيين. وإلى جانب هذه الأسبلة كانت توجد مدارس صغيرة يتعلّم فيها الأطفال القرآن وقليلًا من الرياضيات، وكانوا يدرسون فيها صيفًا في جوٍّ لطيفٍ منعش.
وأضاف المؤرخ الراحل قائلا: يُعدّ سبيل محمد علي أوسعها، ولو قلنا إنّ نهضة مصر قد بدأت من هنا لما كان في ذلك مبالغة. فقد تعلّم الأطفال العربية والتركية والرياضيات والتاريخ والجغرافيا، ومن اللافت أنّهم تعلّموا أيضًا اللغة الإنجليزية.