تواجه أوروبا موجة جديدة من الضغوط الاقتصادية مع تصاعد الحرب في الشرق الأوسط ، حيث بدأت آثار الصراع تنعكس بشكل مباشر على أسعار الطاقة والغذاء، ما يهدد بارتفاع معدلات التضخم في القارة خلال الفترة المقبلة ويثير مخاوف من تباطؤ النمو الاقتصادي.
وارتفعت أسعار النفط والغاز في الأسواق الأوروبية بشكل ملحوظ بعد نحو أسبوعين من اندلاع الحرب، إذ تجاوز سعر خام برنت حاجز 100 دولار للبرميل مع بداية التداولات، مدفوعًا بالهجمات التي استهدفت ناقلات النفط في مضيق هرمز وحرائق طالت بعض مصافي النفط في منطقة الخليج نتيجة الغارات الجوية التي نفذتها إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران.
ارتفاع أسعار الغاز فى السوق الأوروبية
كما صعد سعر خام غرب تكساس الوسيط بأكثر من 7% ليصل إلى نحو 93 دولارًا للبرميل، في حين ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي في الأسواق الأوروبية بنحو 6% لتبلغ قرابة 53 يورو لكل ميجاواط ساعة، في مؤشر واضح على حساسية سوق الطاقة لأي اضطراب في المنطقة التي تعد أحد أهم مصادر الإمدادات العالمية، وفقا لصحيفة الإكونوميستا الإسبانية.
ويأتي هذا الارتفاع في وقت يعتمد فيه الاتحاد الأوروبي بشكل كبير على واردات الطاقة، ما يجعل اقتصاده عرضة لتقلبات الأسعار العالمية. وتكمن خطورة الوضع في أن استمرار التوترات العسكرية قد يؤدي إلى تعطّل إمدادات النفط والغاز عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو ربع تجارة النفط العالمية.
معدل التضخم قد يصل إلى 3%
وفي هذا السياق، حذّر المفوض الأوروبي للاقتصاد فالديس دومبروفسكيس من أن استمرار الحرب قد يدفع معدل التضخم في الاتحاد الأوروبي إلى تجاوز 3% خلال العام الجاري، خاصة إذا استمرت أسعار النفط قرب 100 دولار للبرميل وبقيت أسعار الغاز مرتفعة لفترة طويلة.
وأوضح دومبروفسكيس خلال اجتماع مع وزراء مالية الاتحاد أن هذا السيناريو قد يؤدي أيضًا إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في أوروبا خلال عام 2026، حيث قد ينخفض معدل النمو بنحو 0.4 نقطة مئوية مقارنة بالتوقعات السابقة التي كانت تشير إلى نمو يقارب 1.4%.
تكاليف الإنتاج والنقل والتخزين
ولا يقتصر تأثير الأزمة على قطاع الطاقة فقط، بل يمتد أيضًا إلى أسعار الغذاء، التي تعد من أكثر المجالات حساسية بالنسبة للمستهلكين. فارتفاع أسعار الطاقة يؤدي عادة إلى زيادة تكاليف الإنتاج والنقل والتخزين، وهو ما ينعكس مباشرة على أسعار السلع الغذائية في الأسواق.
وخلال الأشهر الماضية، بدأت مؤشرات القلق تتزايد في الأسواق الأوروبية مع استمرار ارتفاع أسعار بعض المنتجات الأساسية، مثل اللحوم والحبوب والزيوت النباتية، إضافة إلى منتجات الألبان والقهوة، التي شهدت زيادات ملحوظة في الأسعار نتيجة اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية.
كما أن ارتفاع تكاليف الطاقة يزيد من كلفة تشغيل المصانع الزراعية وسلاسل التبريد والنقل، وهو ما يدفع الشركات إلى رفع الأسعار لتعويض النفقات المتزايدة. ويخشى خبراء الاقتصاد من أن يؤدي استمرار هذه الضغوط إلى موجة تضخم غذائي جديدة، خاصة في ظل استمرار عدم الاستقرار في أسواق الطاقة.
طرح 400 مليون برميل من الاحتياطات النفطية
وفي محاولة لاحتواء الأزمة، أعلنت وكالة الطاقة الدولية عن طرح 400 مليون برميل من الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية في الأسواق العالمية، في أكبر عملية من نوعها، بهدف تهدئة الأسعار وتخفيف الضغوط على الاقتصاد العالمي.
لكن رغم هذه الإجراءات، لا تزال المخاوف قائمة من أن يؤدي استمرار الحرب إلى اضطرابات أكبر في التجارة العالمية وسلاسل الإمداد، خصوصًا إذا توسعت الهجمات لتشمل مزيدًا من البنية التحتية للطاقة أو طرق الشحن البحري.
ومن ناحية أخرى، يراقب البنك المركزي الأوروبي تطورات الأسعار عن كثب، إذ قد يضطر إلى إعادة النظر في سياسته النقدية إذا تسارعت معدلات التضخم. وقد بدأت الأسواق بالفعل في رفع توقعاتها بشأن احتمال زيادة أسعار الفائدة خلال العام الجاري، رغم أن الاجتماع المقبل للبنك في 19 مارس لا يُتوقع أن يشهد قرارًا فوريًا برفعها.
ويرى محللون أن أوروبا تقف أمام معادلة اقتصادية صعبة، إذ إن ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء قد يؤدي إلى ضغط مزدوج على الأسر والشركات في الوقت نفسه، ما يهدد بتباطؤ الاستهلاك والاستثمار معًا.
وفي حال استمرار الحرب لفترة طويلة، قد تواجه الاقتصادات الأوروبية مزيجًا معقدًا من التضخم المرتفع والنمو الضعيف، وهو سيناريو اقتصادي يُعرف بـ"الركود التضخمي"، الذي يمثل أحد أكثر التحديات صعوبة أمام صناع القرار الاقتصادي.