ندرك أن التعليم قاطرة تقدم الأوطان، ونعي أن مراحل البناء المستدام تقوم على عقول تمتلك الخبرات المربية والأفكار الرائدة وسواعد تحوز التفرد المهاري في مجالاته المختلفة، ناهيك عن سياج من القيم النبيلة التي تحيط بالوجدان؛ حيث تحمل المسؤولية والمواطنة الصالحة، بما يتحقق معه ماهية الأمن القومي في أبعاده المختلفة، ويضمن استدامة الإعمار والنهضة، في خضم هوية وطنية جامعة.
حديث السيد الرئيس عبد الفتاح السيسى عن تطوير التعليم بمختلف مجالاته وتخصصاته يستهدف بناء إنسان مصري قادر على العطاء عبر شراكة فاعلة في مناحي ومنابر التنمية؛ ومن ثم أرى وجوبية تبني إطار استراتيجي يقوم عليه هذا الأمر الجلل؛ لذا أعتقد أن صياغة مرتكزات أو منطلقات ومحاور للتطوير ومخرجات وضمانات للاستدامة باتت من دواعي المشاركة الوطنية التي تتناغم مع التوجه الرئاسي الاستراتيجي نحو فلسفة تعليمية ناجعة.
الإطار الاستراتيجي لتطوير التعليم العالي يقوم على مرتكزات فلسفية تستند إلى مبدأ رئيس يتمثل في "التعليم من أجل بناء الإنسان"، وهنا نتحدث بصورة مباشرة عن تجاوز فكرة نقل المعرفة في سياقها التقليدي وننتقل بهدوء ووفق منظور منهجي رصين إلى واحة تشكيل الوجدان؛ حيث نضمن بنى معرفية سليمة وأداء مهاري متفرد ووعي رشيد يتمخض عنهما، وهذا ما يؤكد أن المنطلق الفكري يبدأ من عتبة وحدة المعرفة، من خلال كسر الجمود بين التخصصات الأكاديمية والمهنية عبر "البرامج البينية" لخلق فهم شمولي ومعالجة القضايا الشائكة والمركبة.
المرتكزات الفلسفية نستلهمها من حرصنا على إحداث التوازن القيمي والمعاصر؛ كي نستطيع أن نعمل على تحقيق معادلة "الأصالة والمعاصرة"؛ بحيث يظل البنيان التعليمي مع تباين صيغه مرتكزاً على الهوية الوطنية والنسق القيمي المصري، مع الانفتاح الكامل على الاقتصاد الرقمي العالمي، وهذا ينقلنا إلى مربع توافق فحواه أن التعليم بوابة الأمن القومي والاستقرار السياسي؛ ومن ثم وجوبية الاهتمام بآليات تنمية الوعي الثقافي والوطني الذي تشكله أنشطة التعليم؛ حيث إنه الضمانة الحقيقية لاستقرار الدولة وحماية أمنها القومي ضد شوارد المعلومات المغلوطة، والشائعات المغرضة.
تشمل المحاور الاستراتيجية للتطوير هيكلة البرامج التعليمية (التكامل البيني والوظيفية)؛ حيث إن تبني "البرامج البينية" يعد مدخل إلى الابتكار، وهذا يتأتى من بوابة الدمج التي تتضمن الأطر المعرفية والخبرات بين تخصصين أو أكثر لمعالجة القضايا المعقدة، وهنا نشير بوضوح إلى أن تحقيق "وحدة المعرفة"، يسهم قطعًا في تعميق الفهم الشمولي من خلال برامج تتصف بالمرونة في بناء محتواها المعرفي تقوم غاياته على تلبية مطالب واحتياجات سوق العمل.
الهيكلة تحتاج إلى إزالة الحواجز الأكاديمية، من خلال العمل على إلغاء الفواصل بين التخصصات الأكاديمية والمهنية لتعظيم الخبرة المتنوعة في المناهج، وتبني فكرة التحول من "الحقن" إلى "الصقل"؛ حيث استبدال حقن الأذهان بالمعارف بصقل الأفهام عبر مهارات التحليل والاستنتاج والاكتشاف والنقد وصناعة المعرفة؛ بالإضافة إلى محورية الأنشطة التعليمية، باعتبار أن النشاط التعليمي يعد الأداة الرئيسة لإكساب الخبرة وتطبيق مبادئ المعرفة بحرفية وإبداع.
التدويل والريادة التنافسية (العالمية والهوية) إحدى المحاور الاستراتيجية للتطوير؛ إذ يجب أن نتبنى التدويل كاستراتيجية شاملة، من خلال تطبيق المعايير الدولية على الجوانب البشرية والمادية والمناهج والبحث العلمي لضمان المواكبة المستمرة، ونؤكد على تحقيق القدرة التنافسية عبر صياغة مناهج تضمن للمؤسسة التعليمية الريادة في الأسواق المحلية والدولية.
فقه التدويل يستدعي التركيز على الاستثمار في اقتصاد المعرفة، من خلال توظيف تقنية المعلومات والابتكار كشريان للاقتصاد لتأهيل كوادر بشرية تتسم بالتفرد المهاري، وهذا يجعلنا نحرص على التوازن بين الانفتاح والهوية؛ فلا ضير من الانفتاح على العالم رقمياً ومعرفياً مع الحفاظ على الثقافة والهوية الوطنية كضمانة لتماسك النسيج المجتمعي، وهنا نطمح أن تصبح مصر مقصدًا تعليميًا، عبر رؤى تستهدف تحويل المؤسسات التعليمية إلى بيئة جاذبة للطلاب الوافدين من خلال برامج متطورة تواكب متطلبات العصر.
محاور الاستراتيجية تتضمن التنمية المهنية المستدامة (الأستاذ الجامعي والقيادة) كمحور حيوي؛ كي نصل إلى استدامة النمو المهني من خلال توفير مسارات مستمرة للمعلم لامتلاك استراتيجيات تدريسية متطورة وثراء معرفي في تخصصه، مع التمكين التقني والرقمي، بتنمية مهارات الأستاذ في توظيف التقنيات الرقمية وتطبيقاتها الفعالة داخل البيئة التعليمية؛ بالإضافة إلى تبني "بحوث الفعل" المحفزة للمعلم على القراءة التحليلية والصياغة المنهجية لتصميم أنشطة تعليمية نوعية، وثقافة التقويم الذاتي، المعززة لفكرة الملاحظة الذاتية وقبول النقد الإيجابي لتحويل المعلم من مرحلة التنظير إلى مرحلة التطبيق الاحترافي، وبالطبع المشاركة في صنع القرار بإشراك الأستاذ الجامعي في تخطيط برامج التنمية المهنية وتحديد الاحتياجات الميدانية.
محور المهارات النوعية ومهن المستقبل (الاستشراف والتمكين)، أضحت وجوبية؛ ومن ثم ينبغي تبني منهجيات واضحة المعالم تجاه تنمية مهارات التفكير العليا؛ حيث التركيز على مهارات الاستقصاء، الابتكار، وحل المشكلات المعقدة، وتعظيم قيمة العمل الجماعي ومبدأ العقل الجمعي، من خلال تعزيز آليات التواصل الفعال والعمل بروح الفريق لضمان جودة وريادة المنتج البشري.
باتت المهارات النوعية ومهن المستقبل لا تنفك عن الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي؛ فلا مناص عن إعداد أجيال تمتلك مهارات تحليل البيانات والتعامل مع موجات الذكاء الاصطناعي والصناعات الذكية، ثم المرونة والتكيف المهني من خلال تمكين الفرد من إعادة تأهيل نفسه لمواكبة التغيرات المتلاحقة في المهن والحد من الفجوة مع سوق العمل، مع أولوية الاهتمام تجاه غرس القيم والأخلاقيات المهنية؛ فبناء إنسان صاحب مبادئ يشعر أن العدل والمساواة والحرية المسؤولة تعد ركائز بناء الأوطان.
ثمرة التطوير وفق هذا الإطار المتكامل نسردها في صورة مأمولة لمخرجات التعلم المستهدفة (الخريج الريادي)؛ حيث صياغة شخصية مهنية تمتلك المرونة والتكيف المعنيُّ بها المقدرة على مواكبة المتغيرات والتقلبات العالمية عبر التعلم المستمر، والابتكار الاستباقي الذي نرصده في القدرة على اكتشاف الفرص واستغلالها بعقلية ريادية تبحث عن التميز لا التقليد، والانتماء والمسؤولية، ونراه في خريج "مواطن صالح" يعلي المصلحة العامة، ويحترم التنوع الثقافي، ويفخر بحضارته المصرية، والتمكين الرقمي؛ حيث إتقان علوم البرمجة وتحليل البيانات والأمن السيبراني كأدوات أساسية لمهن المستقبل.
ضمانات الاستدامة تجاه تطوير التعليم العالي في ضوء الإطار الاستراتيجي، تتحدد في التحول الرقمي الذكي، باعتبار أن التقنية شريكٌ رئيسٌ في التطوير الوظيفي وليس مجرد أداة تكميلية، والمتابعة والتقويم، باعتماد معايير كفايات واضحة وأدوات قياس دقيقة للحكم على جودة المخرج التعليمي، مع الإرادة والعزيمة؛ حيث الإيمان بأن التطوير عملية مستدامة تتطلب تضافر الجهود وتوحيد الرؤى نحو مستقبل "الجمهورية الجديدة".. ودي ومحبتي لوطني وللجميع.