بعيدا عن الخلطة الدرامية المعروفة التى وضعتها هوليود أولا ثم سار على نهجها الجميع ، والتى تعتمد على مجموعة من العناصر الجاذبة للجمهور والرافعة لنسب المشاهدة من جرائم وحوادث وظهور الشقروات واشتعال الدراما بقصص الحب المثيرة " جاءت دراما المتحدة لتعزف منفردة في هذا الموسم الرمضاني الدرامي البعيد كل البعد عن تلك الخلطة، فاستطاعت مجموعة من الأعمال التى قدمتها المتحدة أن تقدم محتوى ذو قيمة ورسالة دون اعتماد على تلك العناصر السابقة،
فجاءت القصة الجيدة والحبكة المتوازنة منسجمة مع الأداء الفني الذي يصل إلى حد الصدق، واللقطة والصورة ذات التقنية العالية ، لتضرب بقواعد تلك الخلطة عرض الحائط ، وتؤكد على أن الفن الجيد لا يحتاج إلى المزيد من " الاسبايسي" ليقترب ويؤثر في المشاهد .
وخير دليل على ذلك مسلسل " حكاية نرجس " المأخوذ عن أحداث حقيقية سمعنا عنها من قبل وعلمنا بتفاصيلها ونهايتها ، ومع ذلك ننتظر كل يوم الحلقة الجديدة لنتابع أحداثها وكأننا نتعرف عليها للمرة الأولى، فعلى الرغم من أن المتلقي هنا " مشاهد عليم" إلا أنه لم يشعر بأي ملل أو تراجع عن المشاهدة بسبب معرفته المسبقة بالقصة بداية ونهاية، وبسبب ابتعاد المسلسل تماما عن المواصفات الهوليودية التى ذكرتها في السطور السابقة والتى من شأنها أن تبقي المتلقي أمام شاشة التليفزيون، ويمكننا أن نعيد ذلك إلى طريقة الطرح والمعالجة التى تضمنت تسلسل للاحداث بشكل هاديء معتمدة على الأداء الفني للممثلين الذي خاض التحدى وحده مع الجمهور وأثبت أنه قادرا على تحقيق النجاح لأى عمل فني بعيدا عن " خلطة هوليود" .
فإذا تحدثنا عن أداء " ريهام عبد الغفور" فيمكننا نعتها بالقديرة على رغم صغر سنها ، إلا أنها كل يوم تثبت قدرتها البديعة على تقديم شخصيات مختلفة ومتنوعة من المجتمع، وهنا شخصية "نرجس" صعبة جدا لما تحمله من أبعاد نفسية متشابكة، فلها عدة جوانب متأرجحة بين الخير والشر ، فهي الابنة البارة بأهلها وفي نفس الوقت السارقة لأطفال الغير، المحبة لأسرتها والطامعة في رضاء الحماة وفي نفس الوقت تتسبب في وفاتها، صاحبة الكرامة التى انفصلت عن زوجها رفضا لزواجه الثاني ، والكاذبة التى أقنعت زوجها الثاني بأنه غير قادر على الانجاب،
فتلك الشخصية تمتعت بالصفات وعكسها وعلى الرغم من تناقضها إلا أن " ريهام عبد الغور " أدتها باتزان وهدوء تام ، دون مبالغة لابراز التناقضات ، إنما كان نهجها " السهل الممتنع" أقنعتنا بمشاهد الطيبة والحنان واقنعتها أيضا بمشاهد الكذب والأنانية والخيانة ، وهى محتفظة بنفس الأداء الهاديء، دون تلاعب مفرط في ملامح الوجه لتعكس ما بداخلها، ومشهد ضياع الطفل خير دليل على هذا الأداء الصادق ، مثلت وكأنها لا تمثل، اقنعتنا بخوفها على الطفل واتهام زوجها بالإهمال دون صخب .
نفس الأمر تماما بالنسبة للقديرة" سماح أنور" التى تعددت أدوارها مؤخرا ونجحت فيها بالإجماع، وهنا تلعب دور الأم الشعبية الكادحة ، تنقل الازدواجية الاجتماعية في أبهى صورها، تشكل عامل ضغط على ابنتها بسبب عدم قدرتها على الانجاب ، ثم تعود وتنسب حملها لدعائها لها، تختلق المشاكل مع زوجها ثم في نفس اللحظة ونفس المشهد تتحدث له وتطعمه وكأن شيئا لم يكن ، فهى الأخرى جسدت الشيء وعكسه وكأنها النبته الأولى لتناقض الأبنة " نرجس" ، والحقيقة أن الفنانة سماح أنور قدمتها كما يجب أن تكون راسمة تلك الملامح التى نراها في بعض الأمهات وخاصة في تلك الطبقة الاجتماعية دون مجهود .
أما القديرة " عارفة عبد الرسول" فسارت أيضا على نفس المنوال راسمة دور الحماة للدرجة التى قد يختلط فيها الفارق بين التمثيل والحقيقة، ملامحها وطريقة الحديث والنظرة كما نرى أمهاتنا في المناطق الشعبية بكل تفاصيلهم، وكعادتها لا تستعين بماكياج أو مؤثرات خارجية لتظهر في أجمل شكل، إنما ما يهمها أن تظهر الشخصية في أقرب وضع للحقيقة.
لذلك حكاية نرجس قدم دراما نسائية مأخوذة عن قصة حقيقية دون أى محاولة للتغيير أو التصعيد أو الاعتماد على عناصر الجذب، إنما الصدق الفني كان سيد الموقف وكان سر نجاح العمل وسر انتشاره، وهو ما يشير إلى ذكاء المشاهد المصرى وابداعه الداخلي الذي يجذبه إلى الأعمال الجيدة حتى وإن لم تكن تحمل من متطلبات السوق شيئا
.webp)
بوستر مسلسل حكاية نرجس
.jpg)
حكاية نرجس
.jpg)
حكاية نرجس