قام السفير السعودى فى إيران باطلاع زميله المصرى السفير محمود محرم حماد، على التقرير الذى سيرسله إلى بلاده، وكان التقرير المكتوب يوم 10 فبراير 1960 يحتوى على معلومات مهمة وخطيرة حول النشاط المرتفع فى التعاون بين شاه إيران محمد رضا بهلوى وإسرائيل، والذى بلغ ذروته ببدء تدفق السلاح الإسرائيلى إلى طهران، وكانت مقدمة هذه الصفقات من السلاح شحنة من المدافع الرشاشة طراز «عوزى»، وصل حجمها حسب تقرير السفير السعودى إلى 6 آلاف مدفع، وفقا لما يذكره الكاتب الصحفى محمد حسنين هيكل فى كتابه «سنوات الغليان».
يذكر هيكل، أنه بعد نجاح ثورة 14 يوليو 1958 فى العراق التى أنهت عمليا «حلف بغداد» بعد أن قاومه جمال عبدالناصر بضراوة ونجح فى إسقاطه، أحس شاه إيران أنه يستطيع أن يقنن علاقاته مع إسرائيل دون الخشية من أى حرج أو أية موانع، وبالفعل بدأ النشاط الإسرائيلى فى إيران سافرا ومفتوحا، ولم يعد الأمر مقصورا على التبادل التجارى بما فيه بيع البترول الإيرانى لإسرائيل، كما لم يعد مقصورا على النشاط الثقافى، وإنما امتد ليشمل تبادل وفود صحفية وإعلامية، وبدأ السلاح الإسرائيلى يصل إلى إيران.
يضيف هيكل، أنه بعد أن قام السفير السعودى باطلاع نظيره المصرى على تقريره، اتفق السفيران على ضرورة اتخاذ خطوة وهى، أن يقوم السفراء العرب بمسعى مشترك لوقف التعاون العسكرى بين إيران وإسرائيل، وزادت أهمية الموضوع عندما ذكر لهما السفير العراقى فى طهران أنه علم من مصدر موثوق يعرفه من قديم بأن هناك خطة للتنسيق بين أجهزة المخابرات المدنية والعسكرية فى إسرائيل وإيران.
يذكر هيكل، أنه فى 10 مارس، مثل هذا اليوم، 1960، توجه السفراء العرب فى طهران إلى وزير الخارجية الإيرانى، وشرحوا له مخاوفهم، وقدموا إليه مذكرة مكتوبة بآرائهم، وأرفقوا مع هذه المذكرة قصاصة من جريدة «طهرانى جورنال» جاء فيها وصف أطلقته على رئيس الوزراء الإسرائيلى «بن جوريون» بأنه «حارس السلام فى الشرق الأوسط».
يؤكد هيكل، أن الأمور زادت تعقيدا حينما بدأت الوفود الإسرائيلية تشترك فى كل المؤتمرات والمناسبات العامة التى تعقد فى طهران مما أدى إلى أن تضطر كل الوفود العربية للانسحاب من هذه المناسبات احتجاجا، ثم ترددت أنباء عن اجتماعات سرية تعقد فى قصر المرمر بين الشاه وعدد من الشخصيات الإسرائيلية فى مقدمتها رئيس الوزراء الإسرائيلى «دافيد بن جوريون» وقادة إسرائيليين آخرين منهم الجنرال موشى ديان وزير الدفاع، وشيمون بيريز الذى كان يشغل منصب المدير العام لوزارة الدفاع فى ذلك الوقت.
يضيف هيكل، أن السفير اليوجسلافى فى طهران تجاسر ذات مرة فى لقاء مع الشاه، وقال له: هناك ضيق بين السفراء العرب الذين بلغهم أنكم تجتمعون مع بعض الزعماء الإسرائيليين، فرد عليه الشاه، قائلا: إننى قابلت بعضهم بالفعل، ولكنى لم أقابلهم لأسباب سياسية، ثم أضاف الشاه ما مؤداه أنه استقبل بعض الإسرائيليين «لأسباب ثقافية لا يستطيع هؤلاء العرب تقديرها، فهؤلاء الإسرائيليون المثقفون، والعارفون بتاريخ الحضارات لفتوا نظرى إلى أن الذكرى الـ2500 لتأسيس مملكة «قورش» بانى الحضارة الإيرانية سوف تحل بعد سنوات قليلة، وأن الاحتفال بهذه الذكرى قد يكون مناسبة إنسانية تجمع العالم كله على الحفاوة بلحظة تاريخية مشرقة، وأنه سعيد كثيرا برأيهم، وأنه خصص بالفعل 20 مليون ريال للاستعداد لهذه الاحتفالات من الآن.
يكشف هيكل، أن السفير اليوجسلافى أعد تقريرا عن مقابلته مع الشاه وأرسله إلى القاهرة فى إطار تبادل المعلومات بين الرئيسين، اليوجسلافى «جوزيف بيريز تيتو» وجمال عبدالناصر، ويضيف هيكل، أن الأخبار بدأت تصل إلى القاهرة من مختلف المصادر بأن قرارا قد اتخذ بالفعل، وعلى أعلى مستوى بين الشاه و«بن جوريون» بقصد إقامة علاقات رسمية بين البلدين يتم بها تقنين العلاقات المتسعة بينهما فى كل المجالات والتى تصل إلى قضايا الأمن القومى والدفاع.
يؤكد هيكل، أن هذه التطورات كانت بمثابة استمرار لسياسة الشاه بفتح باب إيران أمام إسرائيل، وكان بترول إيران هو المحرك الرئيسى لاقتصاد إسرائيل، والوقود الوحيد تقريبا لجيشها بكل أسلحته، وفى العدوان الثلاثى عام 1956 الذى تحالفت فيه إنجلترا وفرنسا وإسرائيل ضد مصر، كانت الآلة الحربية الإسرائيلية تتحرك بالكامل اعتمادا على البترول الإيرانى، ومن هنا بدأ جمال عبدالناصر فى المواجهة، ويضيف هيكل: «كان البترول الإيرانى هو وقود الحرب الإسرائيلية فى معارك سنة 1956 وسنة 1967 وسنة 1973، رغم ما قاله الرئيس السادات عن العرفان والوفاء لموقف شاه إيران أيام حرب العبور سنة 1973، وفى الواقع فإنه كان مجرد غطاء دعائى لتسهيل تغيير السياسة المصرية تجاه شاه إيران».