استمر الكاتب سعد الدين وهبة فى زيارة سيدة الغناء العربى أم كلثوم ليحصل منها على إجابات لأسئلته ليكتب قصة فيلم عن حياتها من إخراج يوسف شاهين، حسبما يكشف لجريدة الأهرام فى عددها يوم 6 فبراير 1975، وتحدث باستفاضة عنه فى كتابه «أم كلثوم» الصادر فى «مهرجان الإسكندرية السينمائى الدولى، سبتمبر 1999»، وتناولنا الجزء الأول منه أمس فى حلقة «ذات يوم، 6 فبراير 2026».
يكشف «وهبة» أنه أعد مئات الأسئلة ليوجهها إليها، ويتذكر سؤالا عن أول رحلاتها خارج مصر، فردت: «كانت إلى بيروت، وبالباخرة، وأثناء دخولها الميناء كانت قطعة من الأسطول الفرنسى تدخل، فانطلقت صفارات البواخر الراسية فى الميناء تحييها، وظن اللبنانيون الذين فى انتظارى أن هذه التحية لى، وكان اسم السفينة «ألسكاليبور»، وعندما نزلت وجدت المتعهد قد فرش الطريق من الميناء إلى ساحة البرج حيث المقهى الذى يملكه بالبساط الأحمر، هذا المتعهد هو الذى أطلق على لقب «كوكب الشرق»، وأسمى مقهاه بهذا الاسم».
يؤكد وهبة: «كان هناك اتفاق واضح أن الفيلم لن يتعرض لحياتها الشخصية، وسيكتفى فقط بحياتها الفنية، وكان السؤال: هل يمكن أن يكون هناك فيلم مع إغفال الحياة الشخصية للبطل الفنان»، ويجيب: «كنت آراه ممكنا وكان غيرى يراه مستحيلا»، ويكشف أن الدكتور ثروت عكاشة وزير الثقافة وقتئذ طلبه ليسأله عن حكاية هذا الفيلم، كاشفا له: «حدثنى عنه الرئيس جمال عبدالناصر، وطلب منى أن تنتجه وزارة الثقافة وتضع له جميع الإمكانيات خاصة أنه علم من أم كلثوم أنه سيعرض تاريخ مصر فى نصف قرن من خلال حياتها».
وتوجه «عكاشة» بسؤال لوهبة: «كيف ستتناول حياة أم كلثوم؟»، فروى «وهبة» له ما حدث، لكن عكاشة أبدى دهشته وشكه فى أن فيلما يتجاهل الحياة الشخصية أوعلى الأقل طرفا منها يمكن أن يكون فيلما ناجحا، وقال عكاشة لوهبة: «لماذا لم تحاول أن تقنع أم كلثوم؟، فرد وهبة بأنه عجز عن التفكير فى إقناعها، رد عكاشة أن سيقنعها بنفسه، وأرسل يدعوها لمقابلته، وحضرت بالفعل إلى مقر وزارة الثقافة التى كان وهبة أحد قيادتها، وقابلها مع الوزير.
يتذكر «وهبة» أن عكاشة رحب بها طويلا، ثم تطرق إلى الفيلم، وبدأ يتسلل إلى الموضوع حتى قال لها ما معناه أنه لا شك قابلت رجالا كثيرين فى حياتها، ولا بد أن عددا كبيرا منهم يصل عددهم إلى الألف وقعوا فى غرامها فى مراحل حياتها المختلفة، وافقته أم كلثوم على تقديراته بصوتها وهزه من رأسها، وتأهب عكاشة للقول الفصل: قطعا بين هؤلاء الألف رجل واحد فقط أحبته أم كلثوم، ردت: قطعا، فألقى عكاشة بقنبلته: «احنا عاوزين قصة الواحد ده تحكيها لسعد عشان يحطها فى الفيلم لأنه مش معقول فيلم عظيم زى ده يطلع من غير قصة حب»، ردت أم كلثوم: «ما عنديش مانع بس بعد ما أموت»، واندفع «عكاشة « و«وهبة» إلى الرد: «عمر طويل» و«بعد الشر»، وكلمات أخرى تقال فى مثل هذا المواقف، وهمت أم كلثوم للانصراف فأوصلها «عكاشة» إلى الباب، وعاد ليقول لوهبة: «أما نشوف حتعمل إيه، حتكتبه إزاي؟».
استمر «وهبة» فى مهمته، ويكشف عن أن معلوماته زادت عن أم كلثوم، بسبب الوقت الطويل الذى قضاه مع شاعرها المفضل أحمد رامى ورفيق طريقها الطويل والذى أوضح له المواقف التى لا يستطيع التحدث عنها معها، مثل قصة زواجها من الموسيقار محمود الشريف وغيرها من القصص، ويؤكد وهبة: «كان رامى عف اللسان يتحدث عنها فى وله واحترام شديدين».
يكشف «وهبة» أنه أثناء ذلك اتصل به مراسل جريدة «البرافدا» السوفيتية فى القاهرة طالبا منه التوسط لدى أم كلثوم لإجراء حوار معها للجريدة، ونقل إليها «وهبة» الطلب، فسألته عن أهمية الجريدة وهل أجرت حوارات مع أحد فى مصر، فأوضح «وهبة» أنها أجرت حديثا واحدا فقط مع جمال عبدالناصر، ووافقت، وتحدد الموعد، واصطحب وهبة المراسل إليها، وأبقته أم كلثوم ليقوم بدور مترجم الإنجليزية التى تم بها الحوار، وكان من بين أسئلته: «ماذا تفعلين إذا حققتم الانتصار على إسرائيل بالسلاح السوفيتى»، أجابت بتلقائية غريبة: «أغنى للشعب السوفيتى فى شوارع موسكو»، ويتوقع «وهبة» أن يكون ردها أسرع بدعوة السوفييت لها لإحياء حفلات هناك.
سافرت أم كلثوم إلى موسكو لإحياء حفلاتها، لكن وقعت مفاجأة وفاة جمال عبدالناصر وهى هناك فألغت برنامجها وعادت حزينة، ويكشف «وهبة» أنها قضت أشهرا حزينة توقف العمل فيها فى الفيلم، وعندما استعادت نفسها كان الحماس قد فتر، وبعد سنوات قليلة توقفت الدولة عن إنتاج الفيلم، ويضيف: «وضعت فى بيتى الأوراق وهى الخطوط الأولى للسيناريو، وفى عام 1979 عاد يوسف شاهين يجدد مشروع الفيلم لينتجه هو، وفى عام 1991 جاء منتج عربى وطلب أن يبحث مشروع الفيلم، لكنه عدل عن انتاجه».