على الرغم من النجاح الذى حققته تجارب زراعة الأقطان قصيرة التيلة شرق العوينات عبر السنوات الماضية ،ولا سيما بعدما تبناها بشكل كبير الدكتور هشام توفيق وزير قطاع الأعمال الأسبق، بناء على توجهات الدولة المصرية ، بدأت التجربة تتوارى رويدا رويدا مع تراجع المساحات المزروعة، وفى ظل تجاهل وزارة قطاع الأعمال العام لاستمرارها الفترة المقبلة والتوسع فيها وعدم وضوح الرؤية المستقبلية للتجربة مما يتطلب تركها بشكل كال للقطاع الخاص حال الرغبة عن عدم استثمار قطاع الأعمال العام فيها.
وفى الوقت الذى كان مقررا زراعة 50 ألف فدان، تراجعت المساحة من 2250 فدان لـ120 فدانا فقط شرق العوينات بالرغم من احتياج المصانع الوطنية التى تم تطويرها مصانع الغزل والنسيج لتلك النوعية من الأقطان، بدلا من استيرادها من الخارج.
ميدانيا شهدت منطقة شرق العوينات تجربة رائدة وفريدة من نوعها في زراعة القطن قصير التيلة، وهي تجربة استراتيجية تبنتها الدولة المصرية عبر سنوات من النجاح وتهدف إلى تغيير خارطة الإنتاج الزراعي والصناعي في مصر.

وعلى الرغم من التقلبات الميدانية في المساحات المنزرعة هذا الموسم، إلا أن التجربة تحمل في طياتها ملامح مشروع قومي واعد. وتستورد مصر سنويًا كميات ضخمة من القطن قصير التيلة من دول مثل الهند والولايات المتحدة ودول آسيا الوسطى، مما يكلف الخزانة العامة ملايين الدولارات، ويجعل الصناعة المحلية عرضة لتقلبات الأسواق العالمية.
ومن هنا تأتي أهمية التوسع في زراعة هذا النوع من الأقطان محليًا، خاصة في المناطق الجديدة مثل شرق العوينات وتوشكى، حيث تتوفر مساحات شاسعة ومناخ ملائم.
وقد بدأت وزارة قطاع الأعمال العام بالفعل خطوات عملية في هذا الاتجاه من خلال التعاون مع القطاع الخاص لزراعة القطن قصير التيلة شرق العوينات، مع توفير البذور والإشراف الفني والمعدات من خلال شركاتها التابعة.

ورغم تراجع المساحة المزروعة هذا العام مقارنة بالموسم الماضي، فإن التجربة تؤكد إمكانية التوسع المستقبلي إذا تم دعم المشروع بالتمويل والاستقرار التسويقي والوصول بالمساحة لـ50 ألف فدان.
كما أن زراعة الأقطان قصيرة التيلة تفتح المجال أمام التصنيع المتكامل، بداية من الزراعة وحتى إنتاج الغزول والأقمشة، وهو ما يعزز القيمة المضافة، ويوفر فرص عمل جديدة في الزراعة والصناعة، ويعيد بناء سلاسل التوريد المحلية. إضافة إلى ذلك، فإن الاعتماد على الإنتاج المحلي من القطن يقلل من الضغط على الدولار، ويحقق الاكتفاء الذاتي، ويدعم خطط الدولة نحو توطين الصناعة.
لذلك فإن استمرار دعم الحكومة لهذا التوجه، وتوفير التمويل وضمان التسويق، مع تشجيع البحث العلمي لتحسين إنتاجية الفدان وجودة الأقطان، سيكون له أثر إيجابي مباشر على الاقتصاد القومي وصناعة الغزل والنسيج.
أولاً: مسار التجربة.. من التوسع إلى الانحسار المؤقت

بدأت التجربة بطموح كبير حيث توسعت المساحات المنزرعة لتصل في ذروتها إلى 2250 فدان، مما أعطى مؤشراً قوياً على صلاحية التربة والمناخ لهذه النوعية. إلا أن الموسم الحالي شهد تراجعاً ملحوظاً؛ حيث بدأت الزراعات بمساحة 400 فدان، ثم انخفضت لـ 300 فدان، حتى استقرت المساحة المتبقية والمنتجة فعلياً عند 120 فدان فقط.
ورغم هذا التقلص، سجلت الإنتاجية رقماً مبشراً يصل إلى 7 قنطار للفدان، حال الجمع اليدوي لها وليس الجميع الالي الذى قد يصل بالفدان ل 4 قنطار او 5 قنطار فقط نتيجة الهدر ، مما يؤكد جودة الأرض والقدرة على الإنتاج المكثف إذا ما عولجت أسباب تراجع المساحة واساليب الجمع .
ثانياً: نجاحات السنوات السابقة واستدامة المشروع
لا يمكن إغفال النجاحات التي تحققت في السنوات السابقة؛ فقد أثبت مشروع شرق العوينات أن القطن قصير التيلة يمكنه التكيف مع الظروف الصحراوية المصرية. هذا النجاح لم يكن مجرد أرقام، بل كان برهاناً عملياً على إمكانية توطين زراعات كانت تُستورد بالكامل من الخارج، مما وضع حجر الأساس لثقة المستثمرين في القطاع الزراعي.
ثالثاً: الأهمية الاستراتيجية والأمن القومي

تمثل زراعة القطن قصير التيلة ركيزة أساسية للأمن القومي المصري من عدة جوانب:
إحلال الواردات: تستهلك المصانع المحلية كميات ضخمة من الأقطان قصيرة التيلة المستوردة؛ وتوفيرها محلياً يوفر مئات الملايين من الدولارات.
العملة الصعبة: تقليل الضغط على العملة الأجنبية من خلال الحد من الاستيراد.
دعم الصناعة: توفير المادة الخام لمصانع الغزل والنسيج الوطنية (مثل مصانع المحلة الكبرى وكفر الدوار) بأسعار
تنافسية وسرعة إمداد عالية، مما يضمن استمرارية "عجينة" الإنتاج الصناعي دون تأثر بالتقلبات العالمية.
رابعاً: الخبرات الفنية وسلاسة الإنتاج والتوزيع
تمتلك مصر مخزوناً هائلاً من الخبرات البشرية في معهد بحوث القطن والمهندسين الزراعيين الذين استطاعوا تطويع التكنولوجيا الحديثة لخدمة هذه الزراعة. هذه الخبرات تضمن انسيابية في جميع مراحل العملية الإنتاجية، بدءاً من اختيار البذور ووصولاً إلى عمليات الجني والتوزيع، مما يقلل من الفواقد الفنية ويضمن جودة المنتج النهائي.
خامساً: الميكنة وتوافر المعدات الحديثة
من أهم مميزات مشروع شرق العوينات هو الاعتماد على الميكنة الشاملة. تتوفر المعدات الحديثة التي تسمح بـ:
الزراعة الدقيقة لضمان كثافة نباتية مثالية. الجني الآلي الذي يوفر الوقت والجهد ويحافظ على نظافة القطن من الشوائب. تحسين مستويات الجودة بما يتماشى مع المعايير الدولية المطلوبة للمصانع الحديثة.
سادساً: دور القطاع الخاص في التوسع

لعب القطاع الخاص دوراً محورياً في نشر فكرة التوسع في هذه المحاصيل. فبعد نجاح التجارب الأولية، بدأ المستثمرون في ضخ رؤوس أموال لتطوير المساحات المنزرعة. إن الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص هي المحرك الرئيسي لتحويل شرق العوينات إلى مركز إقليمي لإنتاج الأقطان قصيرة التيلة، مستفيدين من اقتصاديات الحجم والقدرة على التسويق.
ومما لا شك فيه ان تراجع المساحة من 2250 فدان إلى 120 فدان هذا الموسم يدق ناقوس الخطر بضرورة حل جميع المشكلات التقنية والإدارية التي واجهت المزارعين، سواء كانت تتعلق بتوفير المياه، أو تكاليف المدخلات، أو آليات التعاقد.