في قلب الدرب الأحمر، وتحديدًا بمنطقة تحت الربع، لا يمر الزمن كما يمر في باقي شوارع القاهرة… هنا يترك خطواته على العتبات، ويستقر في الروائح قبل الحكايات.
وسط زحام الأزقة القديمة، يقبع محل كنافة عمره أكثر من 120 عامًا، شاهدًا حيًا على مدينة تتبدّل ملامحها، بينما يظل هو ثابتًا كقطعة من الذاكرة واحتفظ بمكانته عنوانًا للبهجة في أفراح الناس ومواسمهم، حاضرًا رغم تبدل الأزمنة وتعاقب الوجوه.
أربعة أجيال تعاقبت على هذه الصنعة، كل جيل سلمها للذي يليه كما تُسلَّم الأمانة، حتى وصلت اليوم إلى حسني، الذي يقف أمام الكنافة بطمأنينة العارف، وبجواره زوجته تشاركه تفاصيل المهنة لحظة بلحظة؛ ينسجان معًا خيوط الكنافة الرفيعة كأنهما يحيكان تاريخًا لا يُؤكل فقط… بل يُحكى.
بهدوء الواثق، يتحدث حسني أبو خشبة عن جذور المكان التي لم تبدأ معه، بل سبقته بعقود طويلة من التعب والخبرة، قائلًا: "أنا حسني أبو خشبة، ابن صاحب المحل، وأمثل الجيل الرابع في هذه المهنة، واسمنا معروف منذ زمن بعيد".
ولا يكتفي حسني بحكاية المهنة، بل يربطها بتاريخ المدينة نفسها، وكأن المحل جزء من ذاكرة القاهرة القديمة، مضيفًا: "نحن معروفون منذ أيام الملك، بل إن جذورنا تمتد في القاهرة الفاطمية، والمحل كان دائمًا مزدحمًا بسبب طعم الكنافة وجودتها".
ومع تغيّر العصور، تغيّر الاسم، لكن ظلّت الروح واحدة، وفي تفاصيل الاسم تختبئ قصة شعبية، تتناقلها الأجيال كجزء من هوية المكان، فيقول: "كان اسم المحل قديمًا (كنفاني الملك)، وسُمّي بهذا الاسم لأن الملك فاروق كان يأتي إلى قصر عابدين ويحب الحلويات، وعندما تذوّق الكنافة أعجبته، فارتبط اسم المحل به، ثم بعد ذلك طوّرناه وأصبح (كنفاني الجمهورية)، وما زلنا مستمرين على هذا الاسم حتى اليوم، لأن والدي رحمه الله كان من الجنود الأحرار، ولذلك ارتبط الاسم بالجمهورية، لذلك فإن كل صورة معلّقة هنا لها تاريخ ومعنى.
وبين جملة وأخرى، يظهر معنى الاستمرار الحقيقي؛ والمهنة التي تنتقل من يدٍ إلى يد، لا كعمل فقط بل كأمانة، يقول: "أنا الجيل الرابع؛ والدي ورث المهنة عن جدي، وجدي ورثها عن أبيه، وأنا ورثتها عن أبي، هذا المكان يصنع الكنافة منذ أكثر من 120 عامًا حتى وقتنا هذا.. هنا مصر، هنا القاهرة الفاطمية، هنا التاريخ والآثار، في شارع أحمد ماهر بمنطقة تحت الربع في الدرب الأحمر".
وحين ينتقل حسني إلى الحديث عن الصناعة نفسها، يفتح بابًا ممتعًا لتاريخ الكنافة وتحولاتها عبر الزمن، مؤكدًا أن المهنة تطورت دون أن تفقد أصلها، فيقول: "الكنافة بدأت بالخشب على الصينية وتُسكب بالكوز البلدي، ثم تطورت بالفحم، ثم الغاز، ثم الآلات المحركة".
ويستعيد تفاصيل الفرن البلدي القديم: "قديمًا كنا نستخدم صواني نحاس كبيرة، تُثبت على قوالب طوب تُرصّ بالأسمنت والجبس حتى لا تتسرب الحرارة، وكان الزبائن يقفون حتى خارج المحل، ويصل الصف إلى ثلاثة أرباع الشارع، حتى إننا كنا نعطل حركة المرور".
ومع التطور، لم يتخلّ المحل عن هويته، بل وسّع إنتاجه وأضاف أصنافًا جديدة، يقول حسني: "طوّرنا العمل مع الزمن، مع استمرار الجودة التي اشتهرنا بها، ودون المساس بجوهر المهنة، فالمحل اشتهر بكنافة الشعر، لأننا في زمن الملك كنا نضع اللبن المستورد عليها، فكان لها طعم مختلف لم يكن الآخرون يعرفونه، واليوم تطورت الأمور، وأصبح لدينا آلات وصوانٍ تصنع الكنافة خيطًا رفيعًا للغاية".
وبين الجديد والقديم، يضع حسني خطًا واضحًا: التجديد مرحب به، لكن الغش مرفوض، قائلًا: "الكنافة أصبحت أنواعًا؛ بالشوكولاتة والمانجو والبرتقال والنابلسية، لكن الكنافة البلدي لها طعمها، ولا يجوز أن يضع أحد ماءً ودقيقًا فقط، لابد من إضافات أساسية مثل اللبن والعسل والنشا والسمن والملح، وهذه هي روح الكنافة، ولذلك نحن مستمرون".
ويبدو أن شهرة المكان لم تقتصر على أهل المنطقة، بل وصلت إلى شخصيات عامة وفنانين، يقول حسني: "يزورنا ممثلون باستمرار، وفي رمضان تحديدًا، يتحول المكان إلى نقطة لقاء بين التراث والناس والشارع كله، فيأتي إلينا الزبائن من تحت الربع والخيامية ومن مختلف مناطق القاهرة، يشترون الفوانيس ومستلزمات رمضان ويأخذون الكنافة معهم".
ثم يختصر حسني سر النجاح في كلمة واحدة لا تُشترى وهي الإخلاص، قائلًا: "السر الذي يجعلنا مستمرين هو الضمير والنية، عندما تضع الله أمامك في رزقك، يبارك لك، نحن نسير على بركة الله، وأنا سعيد وفخور لأنني أكمل رسالة والدي، فقد أوصاني قبل وفاته بالمحل، وأن أحافظ عليه وأستمر".
ويستعيد حسني وصايا والده، التي تحولت إلى قاعدة يومية لا يتركها: "كان والدي يقول لي: ضع الله أمامك في صنعتك، وعندما تفتح المحل قل: بسم الله توكلنا على الله، نحمد الله على كل شيء؛ تمر علينا ظروف صعبة فنقول الحمد لله، ويكرمنا الله فنقول الحمد لله".
ولا يتعامل حسني مع المهنة كروتين يومي، بل كشيء يحبه ويمنحه سعادة حقيقية، فيقول: "أكثر شيء يسعدني هو العمل، لا آخذ إجازات، حتى يوم الأحد، لأنني أحب الكنافة وهي أحبتني، كان العمل اليدوي مرهقًا، والزحام كبيرًا، فكرمنا الله بمحل آخر بجوارنا لتخفيف الضغط وتسهيل خدمة الناس".
وبروح اجتماعية دافئة، يصف حسني علاقته بعماله كعائلة واحدة، قائلًا: "في رمضان نجتمع على الإفطار، وأنا أفطر مع الصنايعية، لا فرق بيني وبينهم، كلنا إخوة، حتى أن الإخوة الأقباط يأتون لشراء الكنافة الصيامي، ويحبونها جدًا، ويأتون من أماكن بعيدة لشرائها، واللمة هي أجمل ما في المكان".
ومن أجمل مشاهد الحكاية، حديثه عن زوجته التي تقف معه في قلب النار والعمل، يقول حسني: "أشكر زوجتي لأنها تقف بجانبي وتساعدني، عندما يأخذ العمال إجازة تنزل وتعمل معي يدًا بيد، علَّمتها الكنافة، وهي تحب الصنعة لأنها فن، وتُخرج كنافة لا يصنعها كثير من الحلوانية".
ومن قلب التجربة، يوجه حسني رسالة واضحة لجيلٍ يبحث عن طريقه: "أقول للشباب: اعملوا وطوّروا أنفسكم لتبنوا المستقبل، فالكفاح ضروري، الكفاح صعب، والنجاح ليس سهلًا، لكن ثمرة تعبك هي عملك، ونتيجة جهدك هي التي تصنع النجاح".
ولأن الحكاية لا تُروى بصوت واحد، تأتي أم ملك لتكمل المشهد من الداخل؛ زوجة لم تكتف بالمساندة، بل صارت جزءًا من الصنعة، تقول: "أنا أم ملك، زوجة صاحب المحل، وقد نزلت إلى العمل مع زوجي لأساعده، ومع الوقت أحببت المهنة وأصبحت قريبة من قلبي".
ولا تُخفي أم ملك أن خطواتها الأولى داخل المهنة كانت ثقيلة، فصناعة الكنافة ليست عملًا سهلًا كما يظن البعض: "في البداية كانت المهنة صعبة ومتعبة، بدأت العمل منذ نحو ثلاث سنوات، لم أكن أعرف كيف أُعِدّ العجين أو أُقلّب أو أجهز، لكنني تعلمت شيئًا فشيئًا حتى حفظت كل التفاصيل".
ومن قلب التجربة، تؤكد أم ملك أن المهنة تحتاج إلى عقل حاضر، لا إلى حركة يدٍ فقط، فلكل مرحلة قواعدها الدقيقة، فتقول: "مرحلة إعداد العجين لها أسرارها، ومن لديه الرغبة في التعلّم والفهم سيستطيع أن يتقنها، فالأمر ليس مجرد عمل عشوائي، بل يحتاج إلى خبرة وفهم".
وبنبرة حاسمة، تضع أم ملك نقطة فاصلة في نظرة المجتمع لعمل المرأة، مؤكدة أن المساندة ليست نقصًا بل قيمة: "العمل ليس عيبًا، وليس عيبًا أن تقف المرأة بجوار زوجها، بل إن الزوجة الأصيلة تحرص على بيتها ورزق زوجها وتخاف على ماله وعمله"، والمرأة والرجل يكملان بعضهما بعضًا".
وتستعيد أم ملك لحظة التردد الأولى، حين كان زوجها يخشى نظرة الناس في الشارع، لكنها واجهت ذلك بثقة: "في البداية كان زوجي يشعر بالحرج من نظرة الناس في الشارع، وكان يتساءل: كيف سينظرون إليكِ؟ لكنني قلت له: لا، هذا ليس عيبًا، بل هو شرف لي".
وعن حسني، تصفه أم ملك كصاحب مهنة يعيش لها، لا يؤديها فقط، ويحرص على تطويرها طوال الوقت، وتضيف: "زوجي يحب عمله في صناعة الكنافة، ويحرص دائمًا على تطويرها، ويتمنى أن يمدّه الله بالعمر ليحافظ على مهنة والده ويكملها كما يجب".
وفي لحظات بسيطة، تكشف أم ملك كيف تتحول جملة ثناء من زبون إلى طاقة تدفعهم للاستمرار: "زوجي يسعد كثيرًا عندما يقول له أحد إن الكنافة جميلة، فهذا يرفع من معنوياته ويجعله أكثر تمسكًا بأن يظل المكان مفتوحًا دائمًا".
وتؤكد أم ملك أن صناعة الكنافة ليست سهلة أو متاحة لأي شخص، بل تحتاج إلى مهارة دقيقة وإحساس بالصنعة: "هذه المهنة متعبة وتحتاج إلى فنيات، وليست مجرد عجينٍ وماءٍ وكنافة تخرج في النهاية، قد يكون صُنّاع الكنافة كثيرين، لكن التميّز يعتمد على الإتقان".
وتشير أم ملك إلى أن جودة الكنافة لا تأتي صدفة، بل تُبنى على تفاصيل دقيقة لا يلاحظها إلا أهل الصنعة: "لابد أن تُرصّ الكنافة بطريقة محددة، وأن تكون (الطرحة) مضبوطة، فهذه التفاصيل هي التي تصنع الجودة".
وتختصر أم ملك تجربتها بكلمة واحدة: الرضا، لأنها وجدت نفسها في المكان الذى اختارته بقلبها، قائلة: "سعيدة أنني أعمل في صناعة الكنافة، وأعتبر ذلك شرفًا لي، وسعيدة لأنني أقف بجوار زوجي، وأسأل الله أن يحفظه ويمنحه الصحة، وأن يظل هذا المكان مفتوحًا بوجوده".
اقدم محل كنافة في مصر
حسنى أبو خشبة
خطوات تصنيع الكنافة
صناعة الكنافة
محل كنافة عمره أكثر من 120 عامًا
محل كنافة لم تغلق أبوابه منذ أكثر من قرن
مراحل تصنيع الكنافة