تواجه أوروبا اليوم وضعًا استراتيجيًا معقدًا، حيث يتقاطع وهم الانتصار على روسيا بعد العقوبات وقطع إمدادات الطاقة مع الواقع المرير لاعتمادها الكبير على الولايات المتحدة، سواء فى المجال العسكري أو الأمن الطاقي، فبعد أربعة أعوام من الحرب الروسية على أوكرانيا، ظلت القارة الأوروبية عاجزة عن تحقيق استقلال طاقي كامل، ما جعلها عرضة لتقلبات الأسعار وضغوط الأسواق العالمية، خصوصًا مع اقتراب فصل الشتاء.
أزمة الغاز
أزمة الغاز تشكل محور القلق الأكبر، فقد أجبرت أوروبا على تخزين كميات هائلة من الغاز الطبيعي لتفادي أزمة الشتاء، لكن ضعف البنية التحتية في بعض الدول، وتراجع القدرة على تأمين إمدادات بديلة من روسيا، جعل التخزين أقل من المطلوب في بعض المناطق، ألمانيا، على سبيل المثال، أعلنت أنها تمكنت من ملء نحو 92% من خزانات الغاز، فيما لا تزال بعض الدول الشرقية أقل تجهيزًا، وهو ما يرفع احتمال ارتفاع أسعار الطاقة والضغط على الأسر والصناعة.
هشاشة الأمن الاستيراتيجى الأوروبى
من جانب آخر، يُظهر الوضع هشاشة الأمن الاستراتيجي الأوروبي، فقد اعتمدت الدول الأعضاء بشكل شبه كامل على الدعم العسكري والاستخباراتي الأمريكي في مواجهة التهديد الروسي، سواء عبر حلف الناتو أو من خلال تزويد أوكرانيا بالأسلحة والمعدات الدفاعية. التحليل الاستراتيجي يشير إلى أن أوروبا تفتقر إلى قدرة ردع مستقلة، وهو ما يجعل أي نزاع مستقبلي مرتبطًا بالسياسة الأمريكية وقرارات واشنطن، ما يزيد من القلق داخل العواصم الأوروبية حول جدوى الاستثمارات في الدفاع الوطني.
ضغوط الأسواق الدولية
في الوقت ذاته، تبرز ضغوط الأسواق الدولية، حيث تتذبذب أسعار الغاز والنفط بفعل تغييرات الطلب في آسيا والتوترات في الشرق الأوسط، مما يجعل أوروبا محاصرة بين الحاجة لتأمين الطاقة بأسعار مقبولة وبين خطر الانكماش الاقتصادي الناتج عن ارتفاع التكاليف، إضافة إلى ذلك، يشير خبراء الطاقة إلى أن التحولات في أسواق الطاقة المتجددة، رغم كونها استراتيجية بعيدة المدى، لم تعد كافية لتعويض النقص الطارئ، خصوصًا مع استمرار الشتاء القارس وموجات البرد المفاجئة.
سياسيًا، تواجه القارة ضغوطًا متزايدة من واشنطن، التي تشترط على أوروبا الالتزام بخطط الدفاع ومواجهة روسيا بشكل كامل لضمان استمرار الدعم العسكرى والاقتصادي، هذا الاعتماد يجعل أى نقاش حول الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي أكثر صعوبة وتعقيدًا، ويطرح تساؤلات حول مدى قدرة الاتحاد الأوروبي على وضع سياسة خارجية متماسكة مستقلة عن الضغط الأمريكي.
ويرى الخبراء أن أوروبا تقف اليوم بين وهم الانتصار على روسيا واستمرار الاعتماد على الولايات المتحدة، بينما تواجه أزمات متعددة، من نقص الغاز إلى ضعف التخزين، ومن هشاشة الأمن إلى تقلبات الأسواق العالمية، وسط تحدي استراتيجي طويل الأمد يفرض عليها التفكير في استقلال طاقي وأمني حقيقي، وإعادة النظر في موازين القوى الداخلية والخارجية قبل أن تصل الأزمة إلى مرحلة حرجة خلال فصل الشتاء المقبل.