"لم يكن مجرد فيديو عابر على منصات التواصل الاجتماعي، بل كان صرخة استغاثة أطلقها سكان المريوطية والطالبية بعدما حاصرت الأدخنة السوداء والروائح الكريهة صدور أطفالهم، لم تكتفِ الدولة برصد الشكوى خلف الشاشات، بل تحولت "التوجيهات الوزارية" إلى "خلايا نحل" ميدانية لم تهدأ إلا باقتلاع بؤر التلوث من جذورها، في رحلة دامت ساعات بين عشش الفرز العشوائي ومواقع حرق الكابلات، وضعت اللجنة المشكلة من جهاز تنظيم إدارة المخلفات ومحافظة الجيزة يدها على "عش الدبابير" الذي يؤرق سكان المنطقة، لترسل رسالة شديدة اللهجة، مفادها هواء المصريين خط أحمر، ولا صوت يعلو فوق صوت القانون البيئي، فلم تعد "الشكوى البيئية" مجرد ورقة حبيسة الأدراج، بل تحولت في الآونة الأخيرة إلى محرك استراتيجي لتحرك أجهزة الدولة.
في استجابة فورية لما تداوله مواطنون عبر منصات التواصل الاجتماعي حول انبعاث أدخنة وروائح كريهة بمنطقتي المريوطية والطالبية، شنت وزارة التنمية المحلية والقائم بأعمال وزارة البيئة، حملة مكبرة لم تكتفِ بإطفاء الحرائق، بل استأصلت جذور التلوث قانونياً وميدانياً.
استجابة فورية لبلاغات "السوشيال ميديا"
البداية لم تكن من مكتب رسمي، بل من "فيديو" متداول رصده رادار المتابعة، يظهر معاناة سكان الجيزة من أدخنة مجهولة المصدر. الدكتورة منال عوض، وزيرة التنمية المحلية والقائم بأعمال وزير البيئة، أصدرت تكليفاً فورياً لجهاز تنظيم إدارة المخلفات "لا تهاون مع مصادر التلوث.. حددوا المصدر، واضربوا بيد من قانون"، تشكلت "خلية عمل" ترأسها ياسر عبد الله، رئيس جهاز تنظيم إدارة المخلفات، ضمت قيادات من جهاز شؤون البيئة، ومحافظة الجيزة، وهيئة النظافة، لتبدأ رحلة البحث عن الحقيقة في 5 مواقع ملتهبة.
حصار "حارقي الكابلات" وإخلاء عشش الفرز
في شارع أحمد ضيف الله، وضعت اللجنة يدها على "الجريمة الأولى"، حرائق متفرقة يشعلها مجهولون لحرق أسلاك كهربائية لاستخلاص النحاس، وسط تراكمات من مخلفات الهدم، تمت السيطرة الفورية، وتقرر رفع المخلفات بالكامل.
أما في "أرض الثقافة" خلف استديو مصر، فكان المشهد أكثر تعقيداً، 8 أفدنة تحولت لمسرح للفرز العشوائي. التحرك هنا كان جذرياً، حيث تم إزالة العشش المقامة بالموقع، والتحفظ على "التروسيكلات" والعربات الكارر المستخدمة في النشاط، وغلق مداخل الموقع تماماً لمنع عودة "النباشين" العشوائيين، وضرب "بؤر الروائح الكريهة" بمحلات الطيور
جانب من الحملة
ضرب "بؤر الروائح الكريهة" بمحلات الطيور
لم تكن الأدخنة هي التحدي الوحيد، فالروائح الكريهة كانت "كابوساً" آخر يطارد سكان الكتلة السكنية بجوار أرض الثقافة. نجحت اللجنة في رصد موقع لتخزين مخلفات محلات الطيور، وتم تفعيل قانون تنظيم إدارة المخلفات رقم (202) لسنة 2020، بتحرير محضر فوري وإزالات جزئية للموقع لمنع عودة النشاط.
خلال الحملة
المريوطية حين تتحول "الأفراح" إلى مصدر للتلوث
خلال المرور الميداني، كشفت اللجنة عن مفاجأة؛ حيث تبين أن جزءاً كبيراً من الأدخنة الكثيفة ناتج عن "الألعاب النارية" داخل بعض قاعات الأفراح بشارع المريوطية. القرار كان حاسماً: "تشميع القاعات المخالفة فوراً" والتنبيه الصارم بعدم استخدام هذه المواد التي تضر بالصحة العامة.
رفع المخلفات من اعلى الاسطح
متابعة مفاجئة لضمان عدم العودة
لم تنتهِ المهمة بإزالة المخالفة، بل امتدت لتشمل المواقع التي تم تنظيفها سابقاً قبيل افتتاح المتحف المصري الكبير، حيث تبين استقرار الوضع تماماً، مما يؤكد جدوى المتابعة المستمرة، وفي ختام الجولة، رفعت اللجنة تقريرها للدكتورة منال عوض، التي شددت على أن "الحملة لم تكن استثنائية"، بل هي جزء من آلية مستمرة تتضمن مروراً مفاجئاً ودورياً لضمان عدم عودة "بؤر التلوث" مرة أخرى، مؤكدة أن حق المواطن في "هواء نظيف" هو خط أحمر لا يقبل القسمة على تهاون.
جانب من الحملة
حصاد حملة الطالبية والمريوطية
وجاء حصاد حملة الطالبية والمريوطية مداهمة 5 مواقع رئيسية، واتخاذ عدد من الإجراءات الرادعة، منها تشميع قاعات أفراح، غلق مداخل مواقع فرز، تحرير محاضر قانونية، بمشاركة 7 جهات تنفيذية بيئة، تنمية محلية، محافظة، شرطة، حي، نتيجة لرصد تفاعلي من وسائل التواصل الاجتماعي.
رفع مخلفات الطيور
جديربالذكر إن تحرك أجهزة الدولة في منطقة المريوطية والطالبية لم يكن مجرد حملة لليوم الواحد، أو رد فعل مؤقتاً لإخماد ضجيج السوشيال ميديا، بل هو تجسيد لآلية جديدة في الإدارة البيئية تعتمد على الرصد الفوري والاستئصال الجذري للمخالفة. إن تشميع القاعات المخالفة، وغلق مداخل مواقع الفرز العشوائي، والتحفظ على أدوات التلوث، هي رسائل طمأنة للمواطن بأن عينه التي ترصد المخالفة هي جزء أصيل من منظومة الرقابة. ليبقى الرهان الحقيقي في الاستدامة، فالمتابعة المفاجئة والجولات الدورية التي وجهت بها الدكتورة منال عوض هي الضمان الوحيد لعدم عودة سحابة السموم مرة أخرى، ولتظل رئة الجيزة تتنفس هواءً يليق بعظمة المتحف الكبير الذي يجاورها."
مخلفات الطيور