مبايعة تحت سن العاشرة.. "لجنة الأشبال" صنعت من طفل السكاكينى "رأس الأفعى" الذى لدغ المصريين.. لغز محمود عزت "ثعلب الإخوان" الصامت.. من ملاعب الطفولة فى السكاكينى إلى هندسة كتائب الدم

الثلاثاء، 03 فبراير 2026 11:00 ص
مبايعة تحت سن العاشرة.. "لجنة الأشبال" صنعت من طفل السكاكينى "رأس الأفعى" الذى لدغ المصريين.. لغز محمود عزت "ثعلب الإخوان" الصامت.. من ملاعب الطفولة فى السكاكينى إلى هندسة كتائب الدم محمود عزت

كتب محمود عبد الراضي ـ إيهاب المهندس

لم تكن نشأة "محمود عزت" مجرد طفولة عابرة، بل كانت مسرحاً لأخطر عملية "اختطاف ذهني" في تاريخ الإخوان، فبينما كان يلهو كأقرانه، استدرجته "لجنة الأشبال" لتغرس فيه أنياب التنظيم السري، ليتحول إلى "رأس الأفعى" وعقل الجماعة المدبر.

حينما كانت عقارب الساعة تشير إلى عام 1944، كان العالم يغلي على صفيح ساخن نتيجة تداعيات الحرب العالمية الثانية التي كانت تلملم أذيالها، مخلفة وراءها واقعاً جيوسياسياً جديداً.

في تلك الأثناء، كانت القاهرة، درة الشرق، تعيش حالة من الصراع بين الحلم في الاستقلال الكامل وبين واقع الاحتلال البريطاني الذي كان يهيمن على مفاصل الدولة.

في هذا المناخ المشحون بالسياسة والبارود، وفي زقاق يفوح بعبق التاريخ بحي السكاكيني العريق بالقرب من منطقة العباسية، صرخ صبي في مهده معلناً قدومه إلى الدنيا، ولم يكن أحد يتخيل آنذاك أن هذا الوليد الذي سمي "محمود عزت" سيكون يوماً ما هو العقل الصامت والمحرك الرئيسي لأخطر التنظيمات الإرهابية في العصر الحديث، والملقب داخل الأروقة الأمنية بـ "رأس الأفعى".

لقد كان عام 1944 عاماً انتقالياً بامتياز في حياة المصريين، فبينما كانت الغارات الجوية تضرب بعض المدن، كان الوعي الوطني يتشكل في المقاهي والصالونات الأدبية.

وفي هذا التوقيت، كانت جماعة الإخوان قد بدأت تتغلغل في النسيج المصري كالفطر، مستغلة الظروف الاقتصادية والسياسية الصعبة لتوسيع فروعها.

وفي قلب حي السكاكيني، ذلك الحي الذي ينسب إلى حبيب باشا السكاكيني، أحد كبار رجال الأعمال في القرن التاسع عشر وصاحب القصر الذي يعد تحفة معمارية عالمية، بدأت أولى خطوات الطفل محمود عزت.

نشأ محمود في أسرة ميسورة الحال، فوالده كان مقاولاً شهيراً، يمتلك من الوجاهة الاجتماعية ما يكفي لضمان مستقبل باهر لنجله في مجالات البناء والإعمار، لكن الطفل محمود اختار مساراً مختلفاً تماماً، مساراً يبدأ بهدم الأوطان لا بنائها.

انتقل محمود عزت في مرحلة مبكرة جداً من حياته للعيش في كنف جده لوالدته بحي السكاكيني، وهو المكان الذي شهد تشكل ملامحه النفسية الأولى.

هذا الحي الذي يتميز بطرازه المعماري الأوروبي وشوارعه الضيقة التي تتقاطع لتروي قصصاً عن تطور العمران القاهري، كان يمثل بيئة خصبة للاختلاط الاجتماعي.

وبحسب الروايات المتواترة عن تلك الفترة، كان عزت طفلاً، يلعب مع أبناء الجيران، ويشاركهم احتفالاتهم، ويمرح في الشوارع المؤدية إلى العباسية وغمرة.

كانت تلك "الألفة" الظاهرية هي القناع الأول الذي ارتداه هذا القيادي، حيث تعلم مبكراً كيف يذوب في الوسط المحيط دون أن يثير انتباه أحد، وهي المهارة التي جعلت منه فيما بعد "شبح" التنظيم الذي استعصى على القبض عليه لسنوات طويلة.

بحلول عام 1953، وبينما كانت مصر تخلع ثوب الملكية وتدخل عهد الجمهورية، كان محمود عزت قد بلغ التاسعة من عمره.

في هذا السن الحرج، بدأت مخالب الجماعة تلوح في الأفق، كانت "لجنة الأشبال" بالجماعة تعمل كالمغناطيس الذي يجتذب الأطفال من ذوي الأسر الميسورة.

لفت الطفل محمود، بتردده المستمر على المساجد والزوايا القريبة، أنظار كوادر الجماعة، لاحظوا فيه طاعة عمياء، وهدوءاً يسبق العواصف، وقدرة على الإنصات والسمع والطاعة تفوق أقرانه بكثير.

هنا، قررت الجماعة أن هذا الصبي يمثل "العجينة" المثالية التي يمكن تشكيلها وفق عقيدة "السمع والطاعة" المطلقة.

لم تكن "لجنة الأشبال" مجرد لجنة، بل كانت مختبراً لصناعة الكوادر التي لا تناقش.

انخرط محمود عزت في هذا العالم السري وهو لم يزل يتحسس خطواته الأولى في التعليم الأساسي، بدأ يتم تلقينه أدبيات حسن البنا، وفكرة "أستاذية العالم"، والتمكين الذي يمر عبر دماء "الآخر".

تدريجياً، بدأت علاقة عزت بجيرانه وبمحيطه المنفتح في السكاكيني تتقلص، لصالح علاقات تنظيمية معقدة بدأت في دهاليز فرع الجماعة بالعباسية.

تحول هذا الصبي الذي كان يلعب مع أبناء الحي إلى "كادر" يتلقى تعليمات سرية، وبدأت ملامح "أفعى الجماعة" تتضح في شخصيته، حيث استبدل براءة الطفولة بصرامة التنظيم، وتحولت مشاركته في احتفالات الجيران إلى نظرة استعلائية مغلفة بصبغة دينية متطرفة.

إن التدقيق في نشأة محمود عزت يكشف لنا كيف استطاع التنظيم الإرهابي أن "يختطف" طفلاً من حضن أسرة برجوازية وحي راقٍ، ليحوله إلى "مخطط" بارد الأعصاب.

فبينما كان والده المقاول يبني العقارات في شوارع القاهرة، كان الابن يبني هيكلاً سرياً داخل الجماعة، يعتمد على الخلايا العنقودية والتصفيات الجسدية.

لقد كانت سنوات التكوين في السكاكيني هي التي منحت عزت القدرة على "التخفي" داخل المجتمع، فكان يظهر كطبيب هادئ أو كجار مسالم، بينما هو في الحقيقة يدير غرف العمليات التي تحيك المؤامرات ضد الدولة.

وعندما نتحدث عن وصوله ليكون "الرجل الأهم" و"المخطط الأبرز"، فلا بد أن ندرك أن تلك السطوة لم تأتِ من فراغ، بل من تربية تنظيمية بدأت في سن التاسعة، حيث تم تجريده من عواطفه الإنسانية ومن انتمائه الوطني لصالح "البيعة" للمرشد.

إن محمود عزت، الذي عاش طفولته بين القصور التاريخية في الظاهر والعباسية، انتهى به المطاف كمهندس للدمار، يثبت أن خطورة هذا التنظيم تكمن في قدرته على تحويل "الأشبال" إلى "أفاعٍ" تبث سمومها في جسد الوطن.

لقد كان الانتقال من دفء منزل الجد في السكاكيني إلى برودة المخابئ التنظيمية هو الرحلة التي صنعت "رأس الأفعى"، وهي الرحلة التي ظلت فصولها غامضة حتى وقع في قبضة العدالة، ليدفع ثمن خيانته للحي الذي نشأ فيه، وللوطن الذي حاول مراراً وتكراراً أن يغرقه في بحور من الدماء.

إن التاريخ سيذكر محمود عزت لا كطبيب خدم البشرية، ولا كنجل لمقاول ساهم في عمران البلاد، بل كشخصية سيكوباتية استغلتها جماعة إرهابية منذ نعومة أظفارها، ليكون هو "الكنز الاستراتيجي" الذي يدير عمليات الاغتيال والتفجير من وراء الستار، وليظل حي السكاكيني شاهداً على أن التطرف لا دين له ولا طبقة، بل هو اختطاف للعقول يبدأ بكلمة في أذن صبي صغير وينتهي بكارثة تهدد أمة بأكملها.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة