محراب السماء فى قلب القاهرة.. جولة لليوم السابع داخل "إذاعة القرآن الكريم" بذكرى نصر العاشر من رمضان..حكايات الرعيل الأول وكواليس أصوات ملأت الدنيا نوراً.. وصور نادرة لميكروفونات المنشاوى وعبد الباسط وطوبار

السبت، 28 فبراير 2026 07:00 م
محراب السماء فى قلب القاهرة.. جولة لليوم السابع داخل "إذاعة القرآن الكريم" بذكرى نصر العاشر من رمضان..حكايات الرعيل الأول وكواليس أصوات ملأت الدنيا نوراً.. وصور نادرة لميكروفونات المنشاوى وعبد الباسط وطوبار جولة لليوم السابع داخل "إذاعة القرآن الكريم"

كتب محمود عبد الراضي

بين جدران مبنى "ماسبيرو" العتيق، ذلك الصرح الشامخ الذي يقف حارساً على ضفاف نيل القاهرة، تتنفس الممرات عبق التاريخ، وتفوح من استوديوهاته رائحة الزمن الجميل التي لا تخطئها عين ولا يخطئها قلب.

هنا، فى هذا المبنى الذى شهد ولادة أعظم اللحظات المصرية، تكمن أيقونة الروح ونافذة السماء "إذاعة القرآن الكريم"، تلك الإذاعة التى لم تكن يوماً مجرد موجات أثير عابرة أو مجرد ترددات تقنية، بل كانت وما زالت نبض البيوت المصرية، وسكينة القلوب القلقة، ورفيقة الفلاح فى حقوله البعيدة، وأنيسة السائق في زحام الطرقات، وصوت الطمأنينة الذى ينساب مع خيوط الفجر الأولى ليعلن أن الله هو الحق وأن الدنيا إلى زوال.

غرف إذاعة القرآن الكريم
غرف إذاعة القرآن الكريم

 

تلاوة نادرة ليوم النصر في أكتوبر

وفي ذكرى العاشر من رمضان، تلك الملحمة الخالدة التي تعانق فيها نصر الأرض مع جلال السماء، تكتسب تلاوات هذه الإذاعة صبغة خاصة جداً، تعيد للأذهان تلك اللحظات المهيبة في السادس من أكتوبر عام 1973، حين انطلق صوت الحق عبر الأثير تزامناً مع صيحات التكبير في جبهات القتال.

في تلك اللحظة الفارقة، كانت إذاعة القرآن الكريم تبث تلاوات نادرة، اختلط فيها صوت القارئ مع أزيز الطائرات وصيحات "الله أكبر"، لتكون شاهداً حياً على أن القرآن الكريم هو دستور النصر وملاذ الأمة في لحظات الانكسار والانتصار على حد سواء.

جولة داخل إذاعة القرآن الكريم

في جولة ميدانية استثنائية لجريدة "اليوم السابع" داخل أروقة الإذاعة الأقدم والأعرق في العالم، رصدت عدساتنا تفاصيل ومشاهد تأخذك إلى عالم من الخشوع والرهبة.

بمجرد أن تطأ قدماك ممرات قطاع الإذاعة، تشعر وكأن الزمن قد توقف، وأن أرواح العظماء ما زالت ترفرف في المكان.

هنا، في هذه الطرقات الضيقة والدافئة، مر "الرعيل الأول" من عمالقة التلاوة الذين لم يجُد الزمان بمثلهم، ولم تنجب الأمة من يضاهيهم في قوة التأثير وجلال الحضور.


هنا وقف الشيخ محمد رفعت بوقاره المهيب، ذلك "القيثارة السماوية" الذي كان صوته يخرج كأنه نبع من الجنة، يداوي جراح النفوس ويأخذ المستمع إلى عوالم من الصفاء المطلق.

ومن هذا المكان ومن خلف هذا الميكروفون، أطلق الشيخ عبد الباسط عبد الصمد حنجرته الذهبية لتهز أركان القلوب قبل الآذان، بصوته الذي كان يرتفع عالياً حتى يلامس السحاب ثم يهبط برقة تداعب الوجدان.

وهنا أيضاً صال وجال الشيخ محمد صديق المنشاوي بصوته الباكي الحزين، ذلك الصوت الذي وصفه العلماء بأنه "صوت الشجن الرباني"، حيث كان يقرأ القرآن وكأن الدموع تسبق الحروف، فكان يجسد في نبراته كل انكسار الروح البشرية في حضرة الخالق العظيم.

وعلى أعتاب الاستوديوهات التي تبدو للوهلة الأولى بسيطة في تكوينها، ولكنها عظيمة في تاريخها، تشعر وكأن أصداء أصوات هؤلاء العظماء ما زالت حبيسة الجدران، ترفض المغادرة.

فما زال خشوع الشيخ محمود خليل الحصري حاضراً في الأفق، بقراءته المرتلة المنضبطة التي ضبطت إيقاع التلاوة في العالم الإسلامي أجمع، وعلمت الأجيال أصول التجويد ومخارج الحروف الصحيحة.

وما زالت قوة صوت الشيخ مصطفى إسماعيل، "ملك المقامات" وعبقري التلاوة، تتردد في جنبات المكان، وكأن صوته القوي القادر على التنقل بين المقامات الموسيقية المعقدة بسلاسة فطرية ما زال يطرب الآذان والقلوب.


وفي ركن آخر من أروقة الإذاعة، تطل عظمة الشيخ أبو العينين شعيشع وجمال صوت الشيخ محمد فوزي البهتيمي، لتكتمل لوحة الجلال والجمال التي لم تجتمع في بقعة واحدة على وجه الأرض إلا في هذا الصرح المصري العريق.

إنها المدرسة المصرية في التلاوة، التي جعلت من مصر قبلة لكل من أراد أن يستمع إلى القرآن كما نزل من السماء، غضاً طرياً مفعماً بالإيمان والخشوع.


ولم يتوقف دور إذاعة القرآن الكريم عند حدود تلاوة الآيات، بل كانت هي المحضن الذي انطلقت منه ابتهالات وتواشيح هزت الوجدان.

من هنا خرجت صيحات الشيخ سيد النقشبندي في "مولاي إني ببابك"، لتعانق عنان السماء وتحلق بالقلوب في ملكوت الله الواسع، ومن هنا أيضاً صدح صوت الشيخ محمد طوبار بتواشيحه الخالدة التي تسبق أذان الفجر، لتوقظ في القلوب النائمة حب الله والتعلق برحمته.

هذه الأصوات لم تكن مجرد أداء صوتي محترف، بل كانت تعبيراً صادقاً عن الهوية المصرية المتدينة بطبعها، والتي تجد في "أثير القرآن" ملاذها الآمن وسكينتها المرجوة.

 

لقطات نادرة داخل الإذاعة
 

وخلال جولتنا التاريخية، انفردت كاميرا "اليوم السابع" بتوثيق كنوز تاريخية نادرة لا تقدر بمال، حيث وقفنا بإجلال أمام "أول ميكروفون" انطلق منه صوت القرآن الكريم في ستينيات القرن الماضي.

ذلك الجهاز العتيق، الذي قد يبدو بسيطاً في تصميمه، هو في الحقيقة "قطعة من نور"، نقلت كلام الله إلى ملايين المسلمين في شتى بقاع الأرض.

كما رصدنا الأجهزة التقنية العتيقة والآلات الضخمة التي تعود لبدايات العمل الإذاعي، والتي ما زالت شاهدة على عظمة الانطلاقة الأولى للإذاعة عام 1964.

هذه الأجهزة التي أكل عليها الدهر وشرب، هي في نظر كل صحفي ومؤرخ وثائق حية، خلفها وقف الكبار، ومن ورائها أطرب المبتهلون القلوب، وهي التي سجلت للأجيال تلاوات نادرة، منها تلك التلاوة الشهيرة التي بثت يوم السادس من أكتوبر 1973، لتكون رابطاً روحياً قوياً بين النصر العسكري والمدد الإلهي.

إن الحديث عن إذاعة القرآن الكريم هو حديث عن تاريخ أمة، وهو توثيق لمرحلة ذهبية من تاريخ مصر الإذاعي والروحي، فمنذ اللحظة التي قرر فيها الزعيم الراحل جمال عبد الناصر إنشاء هذه الإذاعة رداً على محاولات تحريف المصحف في ذلك الوقت، تحولت الإذاعة إلى "حائط صد" فكري وإيماني، يحمي الهوية الإسلامية والوسطية المصرية من كل شائبة.

وظلت الإذاعة، رغم تعاقب الأجيال وتغير الإدارات، محافظة على سمتها الرزين، وصوت مذيعيها الوقور الذي يلقي التحية بصيغة "إذاعة القرآن الكريم من القاهرة"، لتهتز لها مشاعر السامعين من المحيط إلى الخليج.

الجولة داخل هذا الصرح ليست مجرد زيارة لمكان عمل، بل هي رحلة في أعماق الوجدان المصري، فبينما تتجول في الاستوديوهات، تجد أرففاً تضم آلاف الساعات من التسجيلات النادرة لخطب الجمعة، وأحاديث كبار العلماء مثل الشيخ محمد متولي الشعراوي، والشيخ الغزالي، وغيرهم ممن أثروا الحياة الفكرية في مصر والعالم العربي.

إنها مكتبة تراثية عالمية، تضم كنوزاً صوتية لا توجد في أي مكان آخر في العالم، تم ترميم الكثير منها رقمياً لضمان بقائها للأجيال القادمة.


إن إذاعة القرآن الكريم بمبنى ماسبيرو ستظل دائماً هي الصوت الذي لا يغيب، والنور الذي لا ينطفئ، هي المكان الذي يتوحد فيه الفقير والغني، والساكن في المدينة والبعيد في القرية، تحت راية "كلام الله".

ومع حلول ذكرى العاشر من رمضان من كل عام، ومع سماع تلك التلاوات النادرة التي صاحبت النصر، يدرك المصريون جيداً أن دولتهم لم تكن لتنتصر في الميدان لولا تمسكها بهويتها الروحية التي تخرج من "أثير القاهرة".

ستبقى إذاعة القرآن الكريم هي "المحراب" الذي يرتل فيه العظماء، وهي "المنبر" الذي يوجه منه العلماء، وهي "السكينة" التي تنزل على البيوت كل صباح.

وسيظل "ماسبيرو" يفخر بأنه يضم بين جنباته هذا الكيان العظيم، الذي علم الدنيا أن القرآن نزل في الحجاز، وقُرئ في مصر بجمال وإتقان لم يعرفه التاريخ من قبل.

إنها رسالة حب ووفاء لكل من ساهم في إعلاء هذا الصوت، من فنيين، ومذيعين، وقراء، ومبتهلين، جعلوا من "98.2 إف إم" الرقم الأهم في حياة الملايين، والتردد الذي يضبطون عليه دقات قلوبهم قبل ساعات حائطهم.


هذه الجولة الميدانية كشفت لنا أن سر بقاء واستمرار إذاعة القرآن الكريم ليس في التقنيات الحديثة فحسب، بل في "البركة" التي تحف هذا المكان، وفي الإخلاص الذي قدمه الرعيل الأول من القراء والمذيعين، الذين لم يطلبوا شهرة أو مالاً، بل كان همهم الأول أن يصل صوت الله إلى أبعد نقطة في المعمورة، وستظل إذاعة القرآن الكريم هي القلعة الشامخة التي تذود عن الوسطية، وتنشر السلام، وتذكرنا دائماً بذكرى النصر والعبور في كل عاشر من رمضان.

الزميل محمود عبد الراضي ورئيس إذاعة القرآن الكريم (2)
الزميل محمود عبد الراضي ورئيس إذاعة القرآن الكريم (2)

الزميل محمود عبد الراضي ورئيس إذاعة القرآن الكريم
الزميل محمود عبد الراضي ورئيس إذاعة القرآن الكريم

غرف إذاعة القرآن الكريم
غرف إذاعة القرآن الكريم

لقطات من داخل الإذاعة
لقطات من داخل الإذاعة

ميكروفون إذاعة القرآن الكريم
ميكروفون إذاعة القرآن الكريم

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة