سعيد الشحات يكتب: ذات يوم.. 27 فبراير 1932.. الملك فؤاد يزور الجامعة المصرية ويتعمد عدم مصافحة الدكتور طه حسين ويهمس لوزير المعارف: «هو ده لسه هنا»

الجمعة، 27 فبراير 2026 10:00 ص
سعيد الشحات يكتب: ذات يوم.. 27 فبراير 1932.. الملك فؤاد يزور الجامعة المصرية ويتعمد عدم مصافحة الدكتور طه حسين ويهمس لوزير المعارف: «هو ده لسه هنا» الملك فؤاد

سعيد الشحات

كانت الساعة العاشرة صباح 27 فبراير، مثل هذا اليوم، 1932 حين وصل الملك فؤاد إلى كلية الحقوق فى بداية زيارته إلى الجامعة المصرية للاحتفال «بتوزيع الدرجات العلمية على مستحقيها»، وفقا لتغطية مجلة «المصور» للحدث فى عددها رقم 386، الصادر يوم 4 مارس 1932.

كان الاحتفال كبيرا، وفى السرادق المقام له تقدم الحضور كبار رجال الدولة، والمندوب السامى البريطانى السير «بيرسى لورين»، وكان من المثير، حسب ما تذكره «المصور» وجود «الأوانس اللواتى يطلبن العلم فى الجامعة يدخلن السرادق فى صف طويل، وسارت كل اثنتين منهن جنبا إلى جنب بنظام بديع، ثم جلسن فى المكان المعد لهن، وكنا قد شاهدنا قبل ذلك بعضا من حضراتهن يصغين إلى درس كان يلقيه فضيلة الشيخ مصطفى عبدالرازق، وجلسن فى صعيد واحد مع زملائهن الطلبة من الشبان، ولكن على مقاعد مستقلة».

لم يكن حضور «الأوانس» الشىء المثير الوحيد، وإنما أيضا كان عدم إلقاء مدير الجامعة أحمد لطفى السيد بكلمة ترحيب، كما جرت العادة، وكذلك لزم جميع الأساتذة المصريين الصمت، وبتقدير الدكتور رؤف عباس فى كتابه «جامعة القاهرة – ماضيها وحاضرها»: «لعل ذلك كان احتجاجا على فرض تكريم رجال الحكم على مجلس الجامعة»، فما قصة هذا التكريم الذى فوجئ به لطفى السيد، وأطاح بالدكتور طه حسين من عمادته لكلية الآداب وكان أول مصرى يشغله، ومن الجامعة كلها بنقله إلى وزارة المعارف فغضب الطلاب وتظاهروا احتجاجا.

يشرح طه حسين القصة فى عريضة دعوى قضائية رفعها ضد رئيس الوزراء إسماعيل صدقى باشا، ووزير المعارف محمد حلمى عيسى باشا، وكان محاميه «محمد على علوبة باشا»، ونشرها الكاتب الصحفى صبرى أبو المجد فى الجزء الأول من كتاب «سنوات ما قبل الثورة»، ويكشف فيها، أنه فى 9 يناير 1932 دعا الوزير طه حسين للقائه فذهب إليه، وأبدى الوزير رغبته فى منح «ألقاب الشرف» لمصريين نابهين بمناسبة الزيارة الملكية للجامعة، منهم يحى إبراهيم باشا، وتوفيق رفعت باشا، وعلى ماهر باشا، فلاحظ طه حسين أن أولهم رئيس مجلس الشيوخ، وثانيهم رئيس مجلس النواب، والثالث وزير، وكلهم من حزب سياسى معين، واثنان منهم فى مجلس الجامعة، وتلك أسباب تمنع منحهم ألقاب الشرف من الجامعة، وأنه لا يرضى للجامعة أن تمنح ألقابها بأمر الوزير، ورجا طه حسين الوزير أن يعدل عن رأيه ولا يورط الجامعة فى السياسة فهى لمصر كلها وللعلم وحده، لكن الوزير غضب.

وبعد يومين اقترح وزير المعارف وصدقى باشا رئيس الوزراء، حذف اسم يحيى إبراهيم باشا، لكن طه صمم على أن الجامعة هى الجهة الوحيدة التى كان يجب الاتفاق معها على ما يريده الوزير، وفى اليوم الثالث أخبر مدير الجامعة «أحمد لطفى السيد» طه باتفاق بينه وبين الوزير بأن يضاف إلى القائمة اسم عدلى يكن باشا وعلى الشمسى باشا، وبينما هما يتناقشان اتصل الوزير بمدير الجامعة تليفونيا وأخبره أن رئيس الوزراء لا يقبل ترشيح أحد من المعارضين، وهكذا التزم كل فريق بموقعه.

تضيف الدعوى القضائية، أنه بعد ذلك بيوم أو يومين دعا مدير الجامعة عمداء الكليات وأخبرهم بأن وكيل وزارة المعارف زاره، وأبلغه أن الوزير يقترح بعد أن أتفق مع القصر الملكى على أن تمنح ألقاب الشرف لعلماء فى أوروبا، فأجاب طه حسين بأنه ما كان ينبغى للوزير مرة أخرى أن يتفق مع غير الجامعة، والتقاليد تقضى بألا تمنح هذه الألقاب للأجانب دون أن يستشاروا، ودون أن يحضروا بأنفسهم ليتلقوا درجاتهم، وتم الاتفاق على أن يذهب اثنان لإقناع الوزير بهذا الرأى، فذهبا وعادا ينبئان بأن الوزير مصمم.

انتهى الأمر بأن رفضت كلية العلوم اقتراح الوزير، وطلبت كلية الآداب أن تؤلف لجنة من الكليات الأربع لدراسة الموضوع ووضع قواعد له، وذهب عميدها إلى الوزير وأبلغه بقرار الكلية، وأما كليتا الطب والحقوق فقبلتا ما أراده الوزير، وجاءت الألقاب الممنوحة منهما أمام مجلس الجامعة فرفضها ممثلو كلية الآداب، وامتنع عن التصويت ممثلو كلية العلوم، ووافق عليها ممثلو الطب والحقوق والحكومة.

لم يمر موقف طه حسين مرور الكرام، ويكشف الكاتب الصحفى حافظ محمود «نقيب الصحفيين من 1964 إلى 1967»، فى رسالة إلى صبر أبو المجد نشرها فى «سنوات ما قبل الثورة»: «لما وجد الملك فؤاد بين أساتذة الجامعة الذين وقفوا فى استقباله الدكتور طه حسين تعمد ألا يصافحه كما صافح الآخرين، ثم التفت إلى وزير المعارف حلمى عيسى باشا وقال بصوت خفيض: «هو ده لسه هنا»، وكانت هذه العبارة كافية لانتحال أسباب إخراج طه حسين من الجامعة، وأمر ملكى بالتصرف».

وفى صباح 3 مارس 1932 دعى أحمد لطفى السيد لمقابلة وزير المعارف، الذى أبلغه أنه أصدر قرار بنقل طه حسين إلى وزارة المعارف كبيرا لمفتشى اللغة العربية، وعارض لطفى السيد وطلب إعادة النظر فى الموضوع، ثم فوجئ بعد الظهر بصحف المساء تنشر خبر النقل، فاستقال احتجاجا.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة