هناك أعمال تأتي في توقيت يشبه النداء، لا لتُسلي، بل لتوقظ، وفي زمن تتنازع فيه الروايات وتبهت فيه الحقائق تحت ركام الضجيج، يخرج مسلسل "صحاب الأرض" من إخراج بيتر ميمي وإنتاج الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية كبيان درامي منحاز للإنسان أولًا، وللذاكرة العربية ثانيًا، وللحقيقة التي لا تموت مهما حاصرها الصمت.
.jpg)
صحاب الأرض .. عمل درامي يسجل التاريخ
العمل لا يتعامل مع القضية الفلسطينية كعنوان سياسي كبير يُرفع في موسم، بل كجرح مفتوح في وجدان المنطقة، يدخل إليه من أكثر الزوايا هشاشة: الخوف، الحب، المسؤولية، وقرار البقاء حين يصبح الرحيل أكثر أمانًا، هنا لا تُكتب الحكاية بالحبر، بل بالقلق، ولا تُروى بالشعارات، بل بنبض شخصيات من لحم ودم.
ومع كتابة دقيقة للمؤلف عمار صبري، ومحمد هشام عبية الذي قام بتطوير السيناريو والحوار، إضافة إلى بطولة أسرة تجمع منة شلبي وإياد نصار ونخبة من فنانين كبار من مصر وفلسطين والأردن ولبنان، يتحول العمل إلى شهادة فنية على زمن يُختبر فيه معنى الانحياز للحياة، وتُعاد فيه صياغة مفهوم الصمود بعيدًا عن البلاغة العالية، وقريبًا من ارتجافة يد، ونظرة صامتة، وقلب يختار أن يبقى رغم كل شيء، وسط إبداع كبير من المايسترو بيتر ميمي الذي يعيدنا إلى زمن الإبداع.
في هذه اللحظة التي تتقاطع فيها السياسة مع الوجدان، ويختلط فيها صوت الخبر بنداء القلب، يطل مسلسل "صحاب الأرض" ليعيد للدراما دورها الحقيقي كقوة ناعمة تعبر عن الضمير العربي من بوابة الإنسان، العمل لا يقترب من القضية الفلسطينية باعتبارها عنوانًا عريضًا، بل يدخل إليها من أضيق الأبواب وأكثرها صدقًا: باب الخوف، والحب، والمسؤولية.
من خلال بطولة لافتة تجمع منة شلبي وإياد نصار، تتحول الحكاية إلى مساحة إنسانية نابضة، تضع المشاهد المصري أمام مرآة وجدانه، وتطرح سؤالًا بسيطًا لكنه عميق: ماذا يعني أن تبقى منحازًا للحياة في زمن يختبر معنى الصمود كل يوم؟
الإجابة تأتي من عمل درامي في زمن تتكاثر فيه الروايات وتضيع الحقيقة بين ضجيج الأخبار، إذ يظهر مسلسل "صحاب الأرض" بوصفه عملاً كاشفًا يتجاوز حدود الحكاية التقليدية، لا يرفع المسلسل لافتة خطابية، ولا يتكئ على شعارات جاهزة، بل يختار أن ينحاز إلى دع الحقيقة، إلى لحظته الهشة وهو يقف في مواجهة الخوف، وإلى قراره الصعب حين يختار البقاء بدل الهروب.
هنا لا تصبح الدراما وسيلة تسلية عابرة، بل شهادة فنية على زمن يُختبر فيه معنى الصمود، وتُعاد صياغة مفاهيم الحب والانتماء تحت ضغط الألم.
منة شلبي… بطلة من لحم ودم
تقدم منة شلبي شخصية طبيبة مصرية تعمل داخل قطاع غزة، امرأة تجد نفسها ممزقة بين نداء المهنة ونداء القلب، فهي ليست بطلة خارقة، ولا تمتلك يقينًا مطلقًا، إنها تخاف، تتردد، وربما تفكر في الرحيل، لكنها في النهاية تختار المواجهة.
هذا التكوين الإنساني الدقيق منح الشخصية صدقًا لافتًا، فالمُشاهد لا يتابع أداءً تمثيليًا بقدر ما يعيش حالة داخلية تتأرجح بين الانهيار والثبات. تتجسد قوة الأداء في التفاصيل الصغيرة: ارتجافة يد أثناء تضميد جرح، نظرة صامتة تحمل ما لا يُقال، أو تنهيدة ثقيلة في لحظة هدوء نادر.
منة شلبي هنا لا تؤدي دور طبيبة فحسب، بل تجسد سؤالًا وجوديًا: ماذا يعني أن تبقى إنسانًا في زمنٍ يُجبرك على الاختيار بين نجاتك الشخصية وواجبك الأخلاقي؟
.jpg)
إياد نصار.. صمت الأرض ووجعها
في المقابل، يمنح إياد نصار الشخصية الفلسطينية بعدًا داخليًا عميقًا، فهو يجسد رجل يسعى لإنقاذ عائلته وسط واقع قاسٍ، يحمل وجع الأرض وثقل المسؤولية دون ضجيج، أداؤه يتسم بالهدوء الكثيف، صمتُه أحيانًا أبلغ من خطابات طويلة، ونظرته تختصر حكاياتٍ لا تُروى.
الشخصية ليست نموذجًا نمطيًا للمقاوم أو الضحية، بل إنسان عادي دُفع إلى حافة الألم، فهو يحاول أن يبدو قويًا أمام أسرته، بينما ينهار داخليًا تحت وطأة العجز والخوف، حيث إن هذا التناقض بين المظهر والداخل هو ما جعل الشخصية نابضة بالحياة، بعيدة عن التنميط أو المبالغة.
حب بلا وعود وردية
العلاقة بين الشخصيتين لا تُبنى على رومانسية تقليدية، لا موسيقى حالمة ولا وعود أبدية، الحب هنا فعل يومي بسيط، قرار بالبقاء إلى جانب الآخر رغم هشاشة الظروف.
إنه حب يولد من شراكة في الألم والخوف، ومن إدراك مشترك أن النجاة ليست فردية بل جماعية، في لحظة قصف، قد تكون يد تمسك بأخرى أبلغ من اعتراف طويل، وهنا يكمن ذكاء النص: الحب ليس هروبًا من الواقع، بل وسيلة لمواجهته.
سرد التفاصيل… حين تتحول الدراما إلى وثيقة
قوة العمل لا تكمن فقط في موضوعه، بل في طريقته السردية، فالمسلسل يبتعد عن الخطاب المباشر، ويقترب من التفاصيل الصغيرة التي تصنع المعنى الحقيقي:
غرفة إسعاف تحت القصف، أم تبحث عن طفلها وسط الفوضى، رجل يحاول أن يبدو صلبًا فيما يتصدع داخليًا.
التوثيق هنا لا يتم عبر أرقام الضحايا أو عناوين الأخبار، بل عبر العيون المرتعشة والأنفاس المتقطعة، فهذا الأسلوب يمنح العمل مصداقية، ويحول المشاهدة إلى تجربة تأملية، لا استهلاكًا سريعًا.
كما يقدم المسلسل حقيقة الدور المصري في الحرب التي شنها الصهاينة لإبادة غزة وأهلها، فنرى كيف دعمت الدولة المصرية أهل غزة في سياق إنساني متوازن، من خلال مشاهد قوافل الإغاثة، ودور الهلال الأحمر المصري دون استعراض أو مبالغة، التضامن يظهر كفعل طبيعي نابع من الشعور بالمسؤولية، لا كدعاية، وهذا التوازن الدقيق جنّب العمل الوقوع في فخ الخطاب الشعاراتي.
العمل يطرح سؤالًا جوهريًا يتعلق بالحكاية الفلسطينية وكيف تتم روايتها، بخلاف المزاعم الإسرائيلية الظالمة والكاذبة.. يفعل المسلسل ذلك بأسلوب فني يصف الواقع المؤلم.
"صحاب الأرض" تجربة فنية تؤكد أن الدراما قادرة على أن تكون قوة ناعمة حقيقية، مساحة تمنح أصحاب الحكاية حق الرواية، وتعيد للإنسان مركزه في قلب الحدث.
المسلسل لا يقدم حلولًا سياسية، ولا يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة، لكنه يذكرنا بأن الحب والشجاعة قد يكونان السلاح الأصدق في مواجهة العواصف، وبين مشهد إسعافٍ تحت القصف ونظرة وداع صامتة، يتشكل المعنى: أن الصمود ليس شعارًا، بل اختيار يومي، وأن الحكاية حين تُروى بصدق تصبح فعل مقاومة بحد ذاتها.. شكرًا لكل صناع العمل