تمثل الموسيقى التصويرية ركيزة أساسية في دعم موهبة المثل، فقد تضيف على أدائه فتعزز تلك الموهبة أو قد تفسدها، فيأتى المشهد برغم تفاعل الممثل بالموقف ضعيفا أو أن تضيف إليه .
وفى مسلسلات المتحدة هذا العام أظهر بعض الملحنيين قدرتهم على التفاعل مع الحكايات التي تسردها دراما رمضان، وتؤكد أعمالهم بأن الموسيقى التصويرية في الدراما المصرية لم تعد عنصرًا تكميليًا يُضاف بعد اكتمال الصورة، بل أصبحت لغة موازية للنص، وشريكًا دراميًا حقيقيًا في بناء الحالة النفسية وصياغة الإيقاع الداخلي للأحداث، وفي عدد من أعمال الموسم الأخير، برز اهتمام واضح بصناعة موسيقى تمتلك هوية مستقلة، وتخدم العمل من داخله لا من خارجه.
في مسلسل عين سحرية قدّم الموسيقار خالد الكمار معالجة موسيقية تعتمد على التوتر النفسي والنبض الخافت المتصاعد. الكمار، المعروف بقدرته على خلق أجواء غامضة، استخدم مساحات صوتية واسعة، وجملًا لحنية قصيرة تتكرر بإيقاع محسوب، ما عزّز الإحساس بالقلق والترقب. وجاء اختيار ويجز لغناء التتر خطوة ذكية، إذ أضفى صوته المعاصر وإيقاعه المختلف روحًا شبابية تتناغم مع طبيعة العمل، لتصبح الأغنية امتدادًا للحالة الدرامية لا مجرد مقدمة.
أما صحاب الأرض فذهب إلى مساحة أكثر خشونة وواقعية. الموسيقى التي وضعها أمين بو حافة جاءت مشبعة بإيقاعات مستوحاة من أجواء الحرب والاستغاثة، مع حضور واضح لآلات النفخ والإيقاعات الثقيلة التي توحي بالخطر والتهديد. في هذا العمل، لم تكن الموسيقى محايدة؛ بل منحازة للحدث، كأنها تصرخ مع الشخصيات. وأضفى صوت أمير عيد بُعدًا إنسانيًا حزينًا على التتر، فجاءت الأغنية أقرب إلى مرثية للأرض، تعبّر عن الألم الجمعي أكثر مما تعبّر عن قصة فردية.
وفي أولاد الراعي اختار مصطفى الحلواني الاقتراب من البيئة الشعبية التي تدور فيها الأحداث. اعتمد على إيقاعات قريبة من التراث المحلي، ممزوجة بجمل درامية تعكس صراع الأشقاء وتقلباتهم. الموسيقى هنا تلعب دور الراوي غير المرئي، تُمهّد للصدامات وتخفّف من حدّتها أحيانًا، وتمنح المشاهد إحساسًا بالمكان والهوية. لم يكن الاعتماد على الصخب، بل على الإيقاع الداخلي الذي ينمو تدريجيًا مع تصاعد الأحداث.
المفاجأة الفنية جاءت مع "رأس الأفعى" بعودة الموسيقار الكبير ياسر عبد الرحمن، صاحب المدرسة الأوركسترالية العميقة في الدراما المصرية. قدّم عبد الرحمن موسيقى ذات بناء كلاسيكي واضح، تعتمد على التمهيد والتصاعد والذروة، كما لو كان يكتب مقطوعة سمفونية لا مجرد خلفية درامية، هذا الطابع الأوركسترالي أعاد إلى الأذهان زمن الموسيقى التصويرية التي تُكتب بعناية وتُسجّل بأوركسترا كاملة، حيث تتحوّل الجملة اللحنية إلى هوية سمعية للعمل بأكمله.
وفي "حد أقصى" وضع أحمد حمدي رؤوف موسيقى تميل إلى الهدوء والتأمل، مبتعدًا عن الضجيج، ومركزًا على التعبير النفسي الدقيق. اعتمد على مساحات صامتة تترك للمشهد فرصة التنفس، مع جمل لحنية رقيقة تعكس صراعات الشخصيات الداخلية. وجاء صوت محمد منير في التتر ليمنح العمل بُعدًا وجدانيًا خاصًا؛ فصوته يحمل تاريخًا طويلًا من الشجن والصدق، ما أضفى على العمل عمقًا عاطفيًا يتجاوز حدود القصة.
وفي ثلاثة أعمال أخرى برز اسم شادي مؤنس بقوة: "فن الحرب"، "مناعة"، و"علي كلاي"، في "مناعة" اختار مؤنس الاقتراب من الأجواء السينمائية، خصوصًا في المناطق التي تتناول تجارة الأفيون، فوظّف إيقاعات بطيئة وجملًا مشحونة بالغموض، مع حضور لافت للأصوات الخلفية التي تعمّق الإحساس بالخطر. تتر النهاية بصوت محمود حسن جاء متماسكًا مع الروح العامة، لا سيما في المزج بين الحزن والرومانسية. ورغم أن العمل يتناول عالم المخدرات، فإن الموسيقى لم تنزلق إلى المباشرة، بل عبّرت عن العلاقات الإنسانية داخله، خصوصًا في شخصية "غرام" التي أدّتها هند صبري، حيث جاء الحوار هادئًا، والموسيقى رومانسية، كأنها تقول إن العاطفة يمكن أن تنبت حتى في أكثر البيئات قسوة.
وفي "علي كلاي" بدا شادي مؤنس أكثر تحررًا، فصاغ موسيقى تمزج بين الحماسة والإيقاع السريع، متسق مع طبيعة العمل والحركة السريعة للشخصيات.
وفي "فن الحرب" فقدّم معالجة صوتية تعتمد على التصعيد التدريجي، كأنها محاكاة موسيقية لفلسفة المواجهة ذاتها.
كما اعتمدت الموسيقى التصويرية لمسلسل "درش" والتي صاغها بحرفية عادل حقي على الطابع الشعبي، مع حضور واضح للأغنية التي غناها عبد الباسط حمودة، ما منح العمل روحًا قريبة من الجمهور.
وفى "اتنين غيرنا" من بطولة آسر ياسين، ودينا الشربيني، وفدوى عابد، ونور إيهاب، وهنادي مهنا، وناردين فرج، وأحمد حسن، وهو من تأليف رنا أبو الريش، وإخراج خالد الحلفاوي، أضاف صوت أنغام بألحان عزيز الشافعي وتوزيع طارق مدكور، إلى جانب الموسيقى التصويرية التي وضعها تامر عطالله، بعدا مهما للعمل، فكان المزج بين الغناء والموسيقى التصويرية نقطة قوة واضحة، حيث التقت الخبرة اللحنية بالحس الدرامي.
الموسيقى التصويرية والتترات التي قدمت في دراما المتحدة هذا العام تعد عنصرا أصيلا في نجاحها.