هاجم جيش الاحتلال الإسرائيلي عبر المتحدثة الرسمية باسمه للإعلام العربي الكابتن أيلا مسلسل صحاب الأرض الذي يوثق مرحلة زمنية هامة في تاريخ القضية الفلسطينية خاصة في قطاع غزة الذي تعرض لجريمة إبادة جماعية مكتملة الأركان ارتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال العامين الماضيين، وذلك صمت مخزي من الدول الكبرى وعجز أممي واضح أمام السلوك العدواني الإسرائيلي.
يأتي الهجوم الإسرائيلي بعد إشادة واسعة ومتابعة أبناء قطاع غزة لمسلسل صحاب الأرض والتأكيد على نجاح العمل الدرامي في توثيق جزء من الجرائم الإسرائيلية البشعة التي ارتكبت بعيدا عن عدسات الإعلام، وهو ما تسبب في ارتباك إسرائيلي واضح دفع الكيان لشن هجوم شرس على مسلسل صحاب الأرض عبر وسائل الإعلام الإسرائيلي أو المتحدثين باسم جيش الاحتلال.
ويحاول جيش الاحتلال الإسرائيلي عبر وسائل إعلامه أو المتحدثين الرسميين أو قياداته تضليل الرأي العام العالمي حول طبيعة الصراع مع الشعب الفلسطيني الممتد منذ عقود، وتحاول إسرائيل أن تربط التصعيد العسكري الأخير ضد المدنيين الفلسطينيين في غزة بأنه ردة فعل على أحداث السابع من أكتوبر 2023. ويتجاهل الاحتلال عمدا الأسباب الحقيقة لأحداث 7 أكتوبر والتي جاءت ردا على الاستفزازات والانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة في غزة والضفة الغربية لا سيما القدس.
ارتكب جيش الاحتلال الإسرائيلي مئات المجازر البشعة ضد الفلسطينيين منذ عام 1948 وحتى الآن، ما أدى لاستشهاد نحو 180 ألف شهيد ومئات آلاف الجرحى، فيما خاض نحو مليون فلسطيني تجربة الاعتقال منذ النكبة عام 1948.
وتُعد حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة الأكثر دموية في تاريخ الصراع مع الاحتلال الاسرائيلي، يضاف إليها الحروب المتعاقبة في العقدين الأخيرين، إضافة إلى شهداء النكبة عام 1948 والبالغ عددهم نحو 15 ألف شهيد.
ارتكب جيش الاحتلال الإسرائيلي أبشع الجرائم والمجازر ضد أبناء الشعب الفلسطيني في غزة، وهو السلوك نفسه الذي قامت به إسرائيل خلال فترة الهجرات اليهودية خلال القرن الـ 19 والعشرين، ما يؤكد أن هدف إسرائيل هو التخلص من الوجود الفلسطيني تماما مقابل التمدد لليهود، وهو ما يؤكد أن إسرائيل دولة فصل عنصري لا تقبل أبدا بالتعايش السلمي مع الآخر رغم المبادرات والقرارات الأممية التي أكدت على حق الفلسطينيين في إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 4 يونيو 1967 إلا أن الاحتلال الإسرائيلي عمل خلال العقود الماضية على تفتيت أي طرح لحدود دولة فلسطينية وعمل على فصل الضفة الغربية عن قطاع غزة عن القدس، وذلك في إطار مخططاته الخبيثة المستمرة بقضم مزيد من الأراضي الفلسطينية ودفع آلاف الفلسطينيين للهجرة خارج أرضهم.
وقتلت إسرائيل نحو 15 ألف مواطن فلسطيني خلال نكبة 1948 بعد دخول العصابات الصهيونية ومنها "الهاجاناه" إلى القرى والبلدات العربية لارتكاب أبشع الجرائم والمجازر التي لم توثقها وسائل الإعلام ونقل بعض المؤرخين جزء من تفاصيل اعتمادا على الرواية الفلسطينية التي حاول الاحتلال الإسرائيلي تزييفها وطمس معالمها.
عملت الوكالات الصهيونية خلال القرن العشرين على التحرك في أوروبا للحصول على دعم سياسي بإقامة وطن قومي لليهود وبعد تقديم مقترحات لإقامة هذان الكيان المحتل في عدة دول وقع الاختيار على فلسطين، وذلك تنفيذا لما ورد في المؤتمر الصهيوني الأول في بازل بسويسرا عام 1897 برئاسة تيودور هرتزل الذي حشد المجتمع الدولي حينها لدعم فكرته بإقامة وطن قومي لليهود، بل وانتزع وعود من دول أجنبية بدعم مقترحه وتوفير له الدعم السياسي والمادي اللازمين للقيام بذلك.
كانت بداية المخطط الإسرائيلي بدفع يهود اليمن للهجرة إلى فلسطين بشكل منتظم وهو التحرك الخطير الذي قادته الصهيونية العالمية دون أن ينتبه أبناء الفلسطيني لما يحاك ضدهم، وحرصت الوكالات الصهيونية على إنفاق أموال ضخمة لتشجيع اليهود بالانتقال إلى فلسطين دون اطلاعهم على تفاصيل المخطط الصهيوني بسعي حاخامات الصهيونية للسيطرة على الأراضي الفلسطينية.
ووثق المؤرخون تاريخ إنشاء أول مستوطنة يهودية في الأراضي الفلسطينية حيث قاد هذا المخطط اليهود البريطاني مونتفيوري عام 1837، وكان عدد سكانها في البداية 1500 يهودي، وارتفع عدد المهاجرين إلى 10 آلاف يهودي عام 1840م، ثم 15 ألف يهودي عام 1860م، وارتفع العدد لـ 22 ألف يهودي عام1881م، حتى وصل العدد في النهاية إلى 25 ألف يهودي عام 1903م.
تعرضت الأراضي الفلسطينية في القرن العشرين لخمس هجرات يهودية متتالية منذ القرن التاسع عشر وحتى القرن العشرين، وذلك في أعقاب الأزمات المتعاقبة التي حدثت منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى الحرب العالمية الثانية في المناطق التي يعيش فيها اليهود، واللافت أن غالبية المهاجرين اليهود الذين استوطنوا فلسطين جاؤوا من أوروبا والولايات المتحدة وروسيا وهم يمثلون العدد الأكبر من المهاجرين.
ومع احتدام القتال في الحرب العالمية الأولى تحركت الوكالات الصهيونية داخل بريطانيا سعيا لاستصدار قرار من الجانب البريطاني بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين وأسفرت التحركات الصهيونية عن إصدار وعد بلفور عام 1917 وهو الوعد الذي أكدت فيه بريطانيا التزامها بإقامة وطن قومي لليهود، وهو وعد من لا يملك لمن لا يستحق، ويعد هذا القرار وصمة عار تلاحق بريطانيا حتى اليوم لأنه تعد سببا رئيسيا في الصراع الذي يجري بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
وبعد القرار البريطاني تحركت الوكالات الصهيونية لتنظيم هجرات يهودية بأعداد أكبر وعملت العصابات على تنظيم هجرة ثالثة بدأت من 1919: 1923 حيث بلغ عدد المهاجرين فيها حوالي 35 ألف مهاجر يهودي، أي بمعدل 8 آلاف مهاجر سنوياً، جاء معظمهم من روسيا ورومانيا وبولندا، بالإضافة إلى أعداد صغيرة جاءت من ألمانيا وأمريكا، وتواصلت الهجرات حتى تم تنظيم هجرة رابعة لليهود في الفترة من 1924: 1932، وهي الهجرة التي تمت خلال فترة الانتداب البريطاني على الأراضي الفلسطينية، حيث توافد إلى فلسطين في هذه الموجة نحو 89 ألف مهاجر يهودي معظمهم من أبناء الطبقة الوسطى خاصةً من بولندا، واستغلوا رؤوس الأموال الصغيرة التي أحضروها معهم لإقامة مشاريع صغيرة خاصة بهم.
وبلغ تدفق المهاجرين الصهاينة ذروته في عام 1925م حيث وصل عددهم إلى حوالي 33 ألفاً مقابل 13 ألفاً في عام 1924م، بعد ذلك انخفض العدد مرةً أخرى ليصل إلى نحو 13 ألفاً في عام 1926م، ثم بدأت الهجرة بالانحسار عام 1927م بسبب الصعوبات الاقتصادية آنذاك، فانخفض عددهم إلى ثلاثة آلاف ثم ألفين فقط في عام 1928م.
ومع نهاية العام 1947 أيقن اليهود أن هذا هو التوقيت المناسب للإعلان عن وطن لهم داخل الأراضي الفلسطينية ونجحت تحركات العصابات اليهودية في نوفمبر 1947 باستصدار قرار مجلس الأمن رقم 181 الذي يقضي بتقسيم فلسطين بين العرب واليهود، بنسبة 55% للعرب مقابل 45% لليهود، على أن تبقى مدينة القدس المحتلة غير خاضعة لأيا منهم وأعلن الكيان الإسرائيلي عن وجود وكيانه المحتل في عام 1948.
ووصل عدد المهاجرين اليهود إلى فلسطين خلال السنوات الأربع الأولى لقيام إسرائيل حوالي 700 ألف مهاجر خلال هذه الفترة في حين أن عدد اليهود في فلسطين بلغ حوالي 650 ألفاً في العام 1948م، ويرجع التزايد في الهجرة اليهودية إلى قيام المنظمات الصهيونية بنقل من تبقى من اليهود في مخيمات اللاجئين في أوروبا الغربية إلى فلسطين بعد الحرب العالمية الثانية، نجاح الوكالات الصهيونية في إقناع رومانيا بالسماح لـ 118 ألف يهودي روماني بالانتقال لفلسطين المحتلة.
ويرى مراقبون أن توثيق الجرائم الإسرائيلية في قوالب درامية أو صحفية أمر بالغ الأهمية لمواجهة الرواية الصهيونية التي تضلل الرأي العام وتسعى لطمس الحقائق التاريخية مع الأجيال الجديدة، وهو ما يتطلب جهدا عربيا مشتركا لتبني الرواية الفلسطينية حول الجرائم الإسرائيلية ودعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.