«إضاءة المصابيح» من أبرز الطقوس التى عرفها المصريون القدماء، حيث كانت تحمل طابعًا دينيا واجتماعيا فى آن واحد، تتشابك هذه الطقوس مع العديد من الممارسات التى استمرت حتى يومنا هذا، خاصة فى العادات الرمضانية المصرية.
واستنادًا إلى الشواهد التاريخية، فإن الاحتفال بإضاءة المصابيح كان من أهم الأعياد التى تحتفل بها مصر القديمة، خاصة فى مدينة «سايس» تكريمًا للربة «نيت».
كما تطورت هذه الممارسة لتنتقل عبر العصور المختلفة، ما يفتح المجال لفهم كيفية تداخل الطقوس المجتمعية والدينية وتأثيرها على الحياة اليومية للمصريين فى العصور القديمة.
فى هذا السياق، أجرينا حوارا مع الدكتور عمر المعتز بالله، المحاضر والمتخصص فى تاريخ وفلسفة الفن المصرى القديم، لتقديم لمحة عن تاريخ عيد الفوانيس وعلاقته بممارسات دينية اجتماعية عميقة الجذور.
ما هو تاريخ الفوانيس فى الحياة المصرية القديمة؟ وكيف بدأت هذه التقاليد؟
تشير الشواهد التاريخية، خاصة اليونانية واليونانية- الرومانية، إلى وجود احتفال ليلى كبير فى مصر القديمة كان يتميز بإضاءة المصابيح طوال الليل، وارتبط بتقديس المعبودة «نيت» فى مدينة سايس «صان الحجر حاليا فى محافظة الغربية»، وقد وصف هذا الاحتفال فى المصادر اليونانية باسم عيد إضاءة المصابيح «Lychnokaia».

الدكتور عمر المعتز بالله
ما هو الأصل التاريخى لعيد الفوانيس؟ وهل كان له اسم مصرى قديم أم أنه مصطلح يونانى؟
مصطلح «عيد الفوانيس» تسمية حديثة للتقريب والتبسيط، إذ لا يوجد حتى الآن اسم مصرى قديم معروف لهذا العيد، أما الاسم الوارد فى المصادر القديمة فهو يونانى، Lychnokaia، ويعنى حرفيا «إضاءة المصابيح»، ويستخدم المؤرخ اليونانى «هيرودوت» هذا المصطلح عند حديثه عن هذا الاحتفال.
ما هى طريقة صنع الفوانيس؟ وما الغرض منها؟
أوعية تحتوى على ملح وزيت وبها فتيل عائم يظل مشتعلا طوال الليل، والمصريون الذين لا يذهبون إلى مدينة «سايس» يشعلون المصابيح فى تلك الليلة فى أماكنهم على طول القطر المصرى، بحيث لا تقتصر الإضاءة على «سايس» وحدها، بل تمتد إلى جميع أنحاء مصر، غير أن «هيرودوت» لا يورد القصة الدينية التى تفسر معنى هذه الليلة، مكتفياً بالإشارة إلى وجودها فقط، ويرجع أقدم وصف واضح لهذا العيد إلى «هيرودوت»، يذكر أن المصريين كانوا فى ليلة معينة يضعون عددا كبيرا من المصابيح خارج منازلهم.
كيف يساهم تقويم أعياد «معبد إسنا» فى فهم تطور طقس إضاءة المصابيح فى العصور القديمة؟
يعتمد الباحثون فى علم المصريات على مصادر يونانية- رومانية لاحقة لإعادة بناء تاريخ هذا العيد، مثل البرديات اليونانية وتقويمات الأعياد فى المعابد، ومن أهم هذه الشواهد تقويم أعياد من «معبد إسنا» الذى يرجع إلى عصر الإمبراطور «تراجان»، «89-117م»، حيث يصف احتفالا ليليا للمعبودة «نيت» يتضمن إشعال عدد كبير من المشاعل داخل المعبد والسهر حتى الفجر.
وتكمن أهمية هذا الدليل فى أنه يبين أن طقس إضاءة المصابيح لم يكن مقتصرا فقط على «سايس» كما يدل على استمرار هذا التقليد فى العصر الرومانى.
كيف يعكس احتفال الإضاءة الليلية تداخل الطقس المجتمعى والدينى فى مصر القديمة؟
تتفق جميع الشواهد على سمة طقسية أساسية وهى الإضاءة الليلية، سواء فى البيوت أو فى المعابد، فقد صور «هيرودوت» هذا الاحتفال بوصفه ممارسة مجتمعية واسعة النطاق، ما يبرز العلاقة بين الطقس المجتمعى والعبادة الدينية الرسمية، ويعكس تداخل الطقس الخاص والعام فى الحياة الدينية المصرية القديمة.
ما أوجه التشابه والاختلاف بين «عيد إضاءة المصابيح» فى مصر القديمة وإضاءة الفوانيس فى رمضان؟
هناك تشابه تماثلى بين «عيد إضاءة المصابيح فى مصر القديمة» وبين إضاءة الفوانيس فى شهر رمضان الكريم فى مصر، فكلا المناسبتين تتميزان بالإضاءة الليلية بوصفها علامة على فترة احتفال دينى مقدس، وتمتد هذه الممارسة من الفضاءات الدينية إلى البيوت والشوارع، ذلك على الرغم من أن عيد المصابيح فى مصر القديمة كان ليلة واحدة محددة فى حين أن رمضان شهر كامل.
كما أن إضاءة المصابيح فى مصر القديمة كانت جزءًا من طقس دينى مرتبط بالقرابين والحضور الإلهي، بينما تمثل إضاءة رمضان فى مصر ظاهرة رمزية واجتماعية، دون أن تكون عبادة مفروضة فى ذاتها.
