دندراوي الهواري يكتب:حين تتحول الدراما إلى سلاح استراتيجي في معركة الوعى..رأس الأفعى يهدم أسطورة تنظيم عمره 100عام..المسلسل أحرق أدبيات الإخوان المدونة بمداد الدم تحت أشعة الحقيقة.. ويربك ماكينة الإنكار القديمة

الإثنين، 23 فبراير 2026 06:00 م
دندراوي الهواري يكتب:حين تتحول الدراما إلى سلاح استراتيجي في معركة الوعى..رأس الأفعى يهدم أسطورة تنظيم عمره 100عام..المسلسل أحرق أدبيات الإخوان المدونة بمداد الدم تحت أشعة الحقيقة.. ويربك ماكينة الإنكار القديمة

فكرة أن الدراما تنقل المعركة مع التنظيمات السرية المتطرفة من الشارع والأزقة في النجوع والقرى والمدن، إلى العقول، أمر لو تعلمون عظيم. فالتنظيمات التي اعتادت العمل في الظل وتحت الأرض، ثم فجأة تجد نفسها أمام كشافات الإضاءة القوية، وكاميرات التصوير الراصدة لكل التفاصيل الدقيقة، لتعري أدبياتها المكتوبة بمداد الدم، تصاب بحالة من الهيستريا والسعار.

مسلسل راس الافعى (2)

مشاهد قليلة كفيلة بهدم روايات كاملة بُنيت عبر 10 عقود، وكانت تمثل العمود الفقرى لنهج جماعة الإخوان "الملفوظة" محليا وإقليميا ودوليا، وصارت كأنها مرض معدٍ، لأن الصورة التى تدعمها الوقائع تصبح أقسى من أي تشكيك، وأصعب من أي إنكار.

مسلسل رأس الأفعى، دراما واقعية، بمجرد إذاعته التف حوله ملايين المشاهدين، وأصاب جماعة الإخوان بحالة هيستيريا جنونية، فقرروا تنظيم حملات مستعرة خالية من أبجديات الإقناع، وأقرب إلى فكرة "الردح" السياسى واستخراج أسوأ ما في دستورهم، وهو التشكيك والتسخيف وترويج الأكاذيب غير المرتبة والمتصادمة بعنف مع أبسط قواعد المنطق والعقل.

مسلسل راس الافعى (1)

وهنا يقفز السؤال الجوهرى: هل يمكن لعمل فنى أن يدفع تنظيما عمره قرن إلى حالة من الارتباك والفوضى والغضب والإنكار بهذا الشكل؟
الإجابة ملخصها أن مسلسل درامى يصيب تنظيما يتفاخر بأنه الأقوى في العالم، بحالة هيستريا وانزعاج، إنما يؤكد أنه ضعيف البنية الفكرية، وأنه يعتمد فقط على الضجيج لتقنين أوضاع على غير الحقيقة، وتدشين مظلوميات مستوحاة من قصص قديمة، لكسب التعاطف، ومحاولة شيطنة خصومه، والمتاجرة بالدين لتحقيق مآرب وأهداف خاصة، والعيش في كيان وهمى "استاذية العالم" لا يعترف بالوطن، بل يعتبره مجرد حفنة من تراف عفن.

الأعمال الدرامية، مرآة عاكسة مكبرة، تسلط الضوء على الموبقات، وتبرزها، وتضعها على مائدة غرف المعيشة في كل بيت، لتغذية العقل بالحقائق، وتصحيح الصورة الذهنية القائمة على السرديات المحشوة بكل الأكاذيب الفجة.

مسلسل رأس الأفعى، عندما اقترب من أفكار أبرز قيادة الإخوان وأخطرها، محمود عزت، ثم تسليط الضوء على تاريخ الجماعة وبنيتها الفكرية، أصاب قيادات التنظيم بحالة هيستريا من الهجوم والتشكيك وتزييف الوقائع، وكأن المعركة لم تعد على الأرض بل على الذاكرة الجمعية.

انزعاج جماعة الإخوان، من مسلسل رأس الأفعى، مبعثه أيضا، أنه تغلغل لمناقشة أفكار أبرز قيادة إخوانية، والرأس المدبر الحقيقى لكل نهج الجماعة، من خلال الوقائع "الساخنة" وفى ظل وجوده على قيد الحياة، ما يكسبها زخما كبيرا، خاصة فيما يتعلق بالبنية الفكرية والتنظيمية للجماعة؛ هنا لم تعد القضية متعلقة بالأحداث المسلحة في المواجهات الأمنية، بل تفكيك العقل الذى ينتج العنف ويبرره ويغلفه بفتاوى دينية.

مسلسل راس الافعى (1)

الدراما _خاصة في السنوات الأخيرة_ بدءا من مسلسل الاختيار بأجزائه، ونهاية بمسلسل رأس الأفعى، تعتبرها جماعة الإخوان، خطرا يفوق المجابهات الأمنية وصناديق الانتخابات السياسية، والخطابات التعبوية في تأثيرها، لأنها تحطم المنظومة التي تبرر أفعال الجماعة وسلوكها الإجرامى وتعيد إنتاجها عبر الأجيال، وتسجلها في ذاكرة الأمة. 

ولنتفق أن الفن يمتلك قدرة لا تمتلكها البيانات ولا الخطب الرنانة، ولا حتى التحقيقات الصحفية، كونه يخاطب الوجدان قبل العقل، ويحول المعلومات الجافة إلى تجربة إنسانية حية.

20260218082602262_22650

حين يرى المشاهد شخصية تتحدث وتخطط وتتناقض وتخون وتبرر، يصبح من العسير إقناعه لاحقا بأن كل ذلك كان مجرد افتراء؛ فالصورة المتحركة تترك أثرا أعمق من ألف بيان تنشره الصحف، وألف منشور يبث على مواقع التواصل الاجتماعى.

لكن يتبقى السبب الأكثر أهمية، والمتمثل في أن الدراما تكسر احتكار الرواية، وبما أن التنظيمات الإرهابية، وعلى رأسها التنظيم الأم، الإخوان "الملفوظين" تعيش في كنف سردية واحدة تقدم نفسها كضحية دائمة أو كممتلك للحقيقة المطلقة، وعندما تظهر رواية بديلة مدعومة بالوثائق، والشهادات الحية، يحدث خلل في تماسك الصورة التي بُنيت عبر عقود طويلة. فجأة يبدأ المتلقى العادى في طرح أسئلة لم يكن يطرحها من قبل، من عينة: ماذا حدث فعلا؟ ولماذا تتشابه وتتشابك شهادات المنشقين رغم اختلاف أماكنهم وأزمنتهم؟.

الشاهد، أن حالة السعار والارتباك التي أصيبت بها جماعة الإخوان من مسلسل رأس الأفعى، يؤكد أن هناك خوفا حقيقيا من فقدان السيطرة على الوعى العام في العموم، والبسطاء تحديدا، وهو أخطر ما يمكن أن يواجهه أي تنظيم سرى أو أيديولوجى؛ لأن أهمية الدراما لا تقتصر فقط على عرض الوقائع، وإنما تعيد ترتيبها في سياق مفهوم وبسيط للمشاهد، وتربيط الأحداث المتفرقة في صورة متكاملة مترابطة تشرح كيفية عمل التنظيم ككل؛ أي تحويل الفوضى إلى معنى، وهذا المعنى قد يكون مدمرا إذا فضح التناقض بين الخطاب النظرى، والممارسة العملية على الأرض.

ومن الوجهة السياسية فإن التنظيمات لا يمكن أن تعيش بالسلاح ولا المال فقط، وتفتقد الصورة الذهنية والحاضنة الشعبية، المانحة للشرعية.
مسلسل الأفعى ومن قبله الاختيار، دراما تخوض معركة وعى لا تقل شراسة إن لم تتفوق على المعارك الأمنية والسياسية، وربما تكون أكثر حسما وقوة، لأن الفكرة إذا ترسخت، تحصن الشخص من الوقوع في براثن الخديعة.

التاريخ لا يدون فقط على أوراق الكتب، وإنما يدون بالصوت والصورة، ويكون أثره أكبر وأكثر تأثيرا على الذاكرة، ومن يربح معركة الذاكرة، يربح معظم المستقبل.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة