أري في مسلسل "مناعة " للنجمة هند صبري التجربة الأهم هذا الموسم؛ فهو عمل متكامل العناصر، تتساند فيه الكتابة مع الإخراج، ويتجاور الأداء التمثيلي مع الرؤية البصرية، لتتشكل بنية درامية محكمة لا تعتمد على الإثارة السطحية بقدر ما تراهن على العمق والبناء المتدرّج.
مسلسل تقوده النجمة هند صبري بثقل فني واضح، ويستند إلى كتابة قصة لـ عباس أبو الحسن وصياغة درامية دقيقة في السيناريو والحوار لـ عمرو الدالي، ضمن رؤية إخراجية واعية لـ حسين المنباوي، والعمل تتكامل فيه أيضًا الموسيقى التصويرية لـ شادي مؤنس، وتصميم الملابس لـ مونيا فتح الباب، والديكور لـ أحمد فايز، ومدير التصوير أحمد يوسف الذي يشتغل على معادلة الظل والنور بوعي بصري لافت.
-
الكتابة.. سر التفوق على دراما الحي الشعبي
أحد أسرار تميّز مسلسل "مناعة" يكمن في الكتابة بوصفها العمود الفقري للعمل، نحن هنا لسنا أمام حي شعبي متخيَّل بملامح كاريكاتورية، بل أمام فضاء اجتماعي ينبض بالحياة، تُكتب شخصياته من لحم ودم، والحوار ليس زخرفة لفظية، بل أداة كشف نفسي واجتماعي؛ لغة منسجمة مع زمن أواخر السبعينيات والثمانينيات، ومشبعة بوعي سياقي يراعي التحولات السياسية والاجتماعية في تلك المرحلة، فالكتابة تتجنب فخ المبالغة الذي وقعت فيه أعمال أخرى تناولت الأحياء الشعبية، حيث تتحول الشخصيات إلى نماذج نمطية، والبيئة إلى ديكور صاخب بلا روح.
هنا، في مسلسل " مناعة " تتشكل الدراما من داخل الواقع، لا من خارجه، والبناء السردي قائم على تصاعد منطقي للأحداث، وتأسيس درامي يبرر التحولات الكبرى، خصوصًا في مسار البطلة، إنها كتابة تؤمن بالتفاصيل الصغيرة، وتمنح كل شخصية دوافعها وطبقاتها النفسية، ما يجعل الصراع عضويًا لا مفتعلًا.
الفنانة هند صبري والفنانة ميميم جمال في مشهد بمسلسل مناعة
-
حسين المنباوي وإدارة ممثلين ورؤية إخراجية دقيقة
يُحسب للمخرج حسين المنباوي أولًا حسن اختياره للممثلين وفق مبدأ الملاءمة الدرامية بين الممثل والشخصية، واختيار هند صبري لشخصية (غرام) كان رهانًا على ممثلة قادرة على حمل تحولات نفسية معقدة، وخالد سليم في دور ضابط المخدرات قدّم حضورًا متزنًا يجمع بين الصرامة والإنسانية، ورياض الخولي أضفى على تاجر المخدرات بعدًا سلطويًا مخيفًا دون افتعال، وميمي جمال أبدعت في شخصية الأم التي تمارس التجارة ببرود واقعي، أداء نابع من خبرة طويلة وحس درامي رفيع، أما مها نصار فقد منحت شخصية الأخت بعدًا إنسانيًا صادقًا، وأيضا كريم قاسم فاجأ الجمهور بخروجه من أنماطه السابقة، مقدمًا شخصية (منعم) بطبقات جديدة.
إخراجيًا، يتميز المنباوي بإدارة ممثلين تقوم على الاقتصاد في الأداء ومنع المبالغة، إضافة إلى مشاهد أكشن ومطاردات مصوغة بإيقاع متصاعد دون فوضى بصرية، واختياره لمواقع التصوير والديكورات جاء أقرب إلى التوثيق البصري للفترة، بما يعكس فهمًا للبيئة التاريخية والاجتماعية، والكاميرا تتحرك بوعي، لا تستعرض ذاتها، بل تخدم الدراما.

مسلسل مناعة
-
هند صبري.. وتشريح نفسي لشخصية (غرام)
في قلب العمل تقف هند صبري بأداء يمكن وصفه بأنه بناء تدريجي للشخصية، فغرام ليست بطلة تقليدية؛ بل امرأة يُقتل زوجها فتحي، ويترك لها طفلين وحقيبة مخدرات تقذف بها إلى قلب الباطنية، ومن هنا يبدأ التحول الدرامي: من أرملة مفجوعة إلى "الإمبراطورة مناعة"، أشهر تاجرة مخدرات في التسعينيات، وهو ما ستكشفه الحلقات القادمة ، وما يميز أداء هند صبري أنها لم تلجأ إلى تغييرات شكلية فجّة لتجسيد التحول، بل اشتغلت على البعد النفسي والاجتماعي للشخصية، وأداؤها قائم على التدرج الانفعالي بدون قفزات حادة، بل انتقالات محسوبة من الضعف إلى القوة، والاقتصاد التعبيري يتمثل في نظرة عين، وقفة صامتة، أو نبرة منخفضة تكشف صراعًا داخليًا أعمق من أي خطاب مباشر.
أما الوعي الاجتماعي، فقد ظهر فهم هند لطبيعة البيئة التي تتحرك فيها الشخصية، وانعكاس ذلك على سلوكها ولغتها، فهند صبري تقدم الشخصية بلا استعراض، بلا مبالغة شكلية أو داخلية، ولا ترفع الصوت إلا حين يبرر السياق، ولا تُضخم القسوة إلا حين تقتضيها اللحظة الدرامية، إنها تشتغل من الداخل إلى الخارج، فتجعل التحول مقنعًا ومؤلمًا في آن واحد ، وما تزال هند تبدع في تطوير الشخصية حلقة بعد أخرى، كأننا أمام دراسة درامية لكيفية تشكل السلطة داخل روح امرأة دفعتها الظروف إلى حافة العتمة.

هند صبري
-
الصورة والموسيقى… اكتمال البنية الجمالية
مدير التصوير أحمد يوسف يشتغل على جدلية الظل والنور بوصفها انعكاسًا لصراع الشخصيات؛ كادرات معبّرة، وزوايا تخدم المعنى لا الزخرفة، والموسيقى التصويرية لشادي مؤنس تضيف طبقة شعورية موازية، تعمّق التوتر ولا تفرضه، وتصميم الملابس لمونيا فتح الباب والديكور لأحمد فايز يعيدان تشكيل الفترة التاريخية بدقة، دون مبالغة فلكلورية.
مسلسل " مناعة " ليس مجرد مسلسل عن تجارة المخدرات في الباطنية، بل دراسة درامية عن السلطة والتحول والبيئة الاجتماعية، وعمل تتضافر فيه عناصر الكتابة والإخراج والتمثيل والصورة والموسيقى لتنتج نصًا بصريًا متكاملًا، وبالنسبة لي، هو العمل الأكثر اكتمالًا هذا الموسم؛ لأنه لا يكتفي بأن يحكي حكاية، بل يصنع عالمًا.
كل ما يخص مسلسلات رمضان 2026.. اضغط هنا للدخول إلى بوابة دراما رمضان 2026