الباحث الفلسطيني في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية الدكتور منصور أبو كريم يكتب: الموقف المصري حاسم وقاطع برفض أي شكل من أشكال تهجير شعبنا.. والدولة المصرية تصدت لإعادة رسم خريطة الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي

الإثنين، 23 فبراير 2026 12:08 م
الباحث الفلسطيني في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية الدكتور منصور أبو كريم يكتب: الموقف المصري حاسم وقاطع برفض أي شكل من أشكال تهجير شعبنا.. والدولة المصرية تصدت لإعادة رسم خريطة الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي الدكتور منصور أبو كريم

مع اندلاع حرب الإبادة الجماعية على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، برزت مصر بوصفها الفاعل الإقليمي الأكثر حضورًا وتأثيرًا في مسار الأحداث، سواء على المستوى الإنساني أو السياسي أو الأمني. فقد تعاملت القاهرة مع التطورات بوصفها تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري، وفي الوقت ذاته باعتبارها محطة مفصلية في مسار القضية الفلسطينية.

منذ الأيام الأولى للحرب، تزايدت المؤشرات على وجود تصورات إسرائيلية تدفع باتجاه تفريغ القطاع من سكانه، عبر فتح مسارات تهجير نحو سيناء. ومع صدور دعوات عسكرية إسرائيلية لإخلاء مناطق واسعة من شمال غزة، وتصريحات رسمية ألمحت إلى إمكانية انتقال السكان إلى الأراضي المصرية، أصبح واضحًا أن التهجير لم يكن مجرد احتمال عابر، بل فكرة مطروحة في دوائر صنع القرار في إسرائيل. في هذا السياق، جاء الموقف المصري حاسمًا وقاطعًا برفض أي شكل من أشكال التهجير، سواء القسري أو تحت مسميات "الانتقال المؤقت" أو "الممرات الإنسانية".

وقد استند هذا الرفض إلى اعتبارات متعددة؛ أولها أن تهجير الفلسطينيين يُعد تصفية فعلية للقضية الفلسطينية، وثانيها أن نقل الأزمة إلى الأراضي المصرية يمثل مساسًا مباشرًا بالسيادة والأمن القومي، وثالثها أن السماح بتهجير السكان يكرّس سابقة خطيرة تعيد إنتاج مشاهد النكبة عام 1948 بصيغة جديدة.

لم يكن الموقف المصري مجرد إعلان سياسي، بل تُرجم إلى إجراءات عملية على الأرض، تمثلت في تشديد الرقابة على الحدود، والتأكيد الدبلوماسي في مختلف المحافل الدولية على رفض التهجير، إلى جانب تحركات سياسية مكثفة مع القوى الإقليمية والدولية لتثبيت هذا الموقف. كما تعاملت القاهرة مع ما تردد عن ضغوط أو إغراءات اقتصادية – من بينها أحاديث عن تسويات مالية – باعتبارها أمورًا غير قابلة للنقاش إذا تعارضت مع ثوابتها الاستراتيجية.

في المقابل، لم يقتصر الدور المصري على الرفض والمنع، بل امتد ليشمل إدارة أحد أعقد الملفات الإنسانية في الحرب. فقد تحوّل معبر رفح إلى شريان رئيسي لدخول المساعدات الإغاثية والطبية والوقود إلى القطاع، واستقبلت المستشفيات المصرية مئات الجرحى والمصابين. كما شاركت مصر في تنظيم قوافل المساعدات، وعملت على تنسيق الجهود مع منظمات دولية وإقليمية لضمان استمرار تدفق الإغاثة رغم تعقيدات المشهد الميداني.

سياسيًا، لعبت القاهرة دور الوسيط المحوري في جهود التهدئة ووقف إطلاق النار، مستفيدة من قنوات اتصال مفتوحة مع مختلف الأطراف. وأسهمت هذه الوساطات في التوصل إلى هدن إنسانية مؤقتة، وتبادل للأسرى والمحتجزين، وإدخال المساعدات. ويعكس ذلك استمرار الدور المصري التقليدي كوسيط رئيسي في ملفات الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، بحكم الجغرافيا والتاريخ والثقل السياسي.

أما على مستوى القضية الفلسطينية في بعدها التاريخي، فإن الدور المصري لم يكن وليد اللحظة. فقد كانت القاهرة حاضنة لانطلاق منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964، وأسهمت في تثبيت مكانتها ممثلًا شرعيًا ووحيدًا للشعب الفلسطيني في النظامين العربي والدولي. كما دعمت مسار التفاوض الفلسطيني في مختلف مراحله، وساندت التوجه نحو إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
وتدرك مصر أن أي تسوية مستقبلية لا يمكن أن تقوم على الحلول الأمنية وحدها، بل على معالجة جذور الصراع من خلال حل سياسي عادل وشامل. ومن هذا المنطلق، تواصل القاهرة تحركاتها لإعادة إحياء المسار السياسي، ودعم وحدة الصف الفلسطيني، وتهيئة الظروف لإعادة إعمار غزة ضمن رؤية تمنع تكرار دوامات العنف.

إن جوهر الموقف المصري في الحرب على قطاع غزة لا يمكن فهمه باعتباره موقفًا سياسيًا عابرًا أو ردّ فعل ظرفي، بل هو تعبير عن معادلة استراتيجية دقيقة تجمع بين بعدين متلازمين: حماية الأمن القومي المصري، والدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. وهذان البعدان ليسا منفصلين، بل يتداخلان بصورة تجعل أي مساس بأحدهما تهديدًا مباشرًا للآخر.

فعلى مستوى الأمن القومي، تدرك مصر أن أي محاولة لفرض واقع ديموغرافي جديد عبر تهجير الفلسطينيين إلى سيناء تمثل إعادة تشكيل قسري لخريطة الصراع، وتنقل مركز الثقل من كونه صراعًا على الأرض والحقوق داخل فلسطين إلى أزمة لاجئين ممتدة داخل الأراضي المصرية. وهذا السيناريو لا يعني فقط أعباء إنسانية واقتصادية ضخمة، بل يفتح الباب أمام اختلالات أمنية معقدة، ويضع مصر في قلب معادلة صراع طويلة الأمد لم تخترها، ويهدد بتحويل الحدود إلى بؤرة توتر دائم.

أما على مستوى القضية الفلسطينية، فإن رفض التهجير يرتبط بجوهر الصراع ذاته. فالقضية لم تكن يومًا قضية مساعدات إنسانية أو تحسين ظروف معيشية، بل قضية شعب وأرض وحق في تقرير المصير. وأي تفريغ سكاني لغزة يعني عمليًا تصفية أحد أهم مرتكزات الحل السياسي القائم على إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967. لذلك، فإن التمسك المصري ببقاء الفلسطيني على أرضه هو دفاع عن الإطار القانوني والسياسي الذي قامت عليه كل مبادرات التسوية منذ عقود.

ومن هنا، يتشكل ما يمكن وصفه بخط الدفاع الأول؛ دفاعٌ لا يقتصر على حماية الحدود المصرية، بل يمتد إلى حماية المعنى السياسي للقضية الفلسطينية. فحين ترفض القاهرة الضغوط أو الإغراءات المرتبطة بقبول التهجير، فإنها لا تدافع فقط عن سيادتها، بل تسهم في منع خلق سابقة تاريخية تعيد إنتاج مشاهد النكبة بصيغة جديدة، وتكرّس منطق فرض الأمر الواقع بالقوة.

كما أن هذا الموقف يمنح التحرك المصري مصداقية إقليمية ودولية؛ إذ يجمع بين الالتزام الإنساني من خلال إدخال المساعدات واستقبال الجرحى، وبين الثبات السياسي في رفض أي حلول تنتقص من الحقوق الوطنية الفلسطينية. وبهذا المعنى، فإن الدور المصري لا يوازن بين الأمن القومي والقضية الفلسطينية، بل ينطلق من قناعة بأن حماية الأول تمر عبر صون الثانية، وأن تصفية القضية ستقود حتمًا إلى موجات عدم استقرار تطال الإقليم بأسره.

إن جوهر الموقف المصري يتمثل في رؤية تعتبر أن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق عبر إزاحة السكان أو إعادة هندسة الجغرافيا بالقوة، بل عبر تسوية عادلة تُنهي الاحتلال وتمنح الشعب الفلسطيني حقه في دولته المستقلة. وبين الواقعية السياسية والالتزام التاريخي، تواصل مصر تموضعها كفاعل رئيسي يسعى إلى منع الانفجار الشامل، وفي الوقت ذاته يحول دون انزلاق المنطقة إلى مسار تصفية نهائية للقضية الفلسطينية.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة