هل يمكن تدمير مفاعل نووي محصن تحت طبقات من الخرسانة والصلب دون إلقاء قنبلة واحدة؟ في عام 2010، استيقظ العالم على حقيقة مرعبة: الرصاص لم يعد الوسيلة الوحيدة للحروب.
بطل قصتنا اليوم ليس جندياً، بل هو "فيروس" اعتبره الخبراء أول سلاح سيبراني مدمر في التاريخ.. إنه Stuxnet، الكود الذي جعل المستحيل ممكناً.
-منشأة نطنز - إيران، 2010
خلف الجدران شديدة الحراسة، كانت آلاف أجهزة الطرد المركزي تدور بسرعة جنونية لتخصيب اليورانيوم.
فجأة، بدأت الأجهزة تتصرف بغرابة؛ ترتفع سرعتها بجنون ثم تنخفض فجأة حتى تنهار وتتحطم.
المهندسون يراقبون الشاشات، لكن الصدمة كانت أن الشاشات تقول: "كل شيء يعمل بشكل مثالي"، بينما كانت الآلات أمام أعينهم تتحول إلى حطام!
- كيف اخترقوا "العزلة التامة"؟
منشأة نطنز ليست متصلة بالإنترنت (Air-gapped)، مما يجعل اختراقها مستحيلاً من الخارج.
فكيف وصل الفيروس؟ هنا تظهر دهاء المخابرات؛ يُعتقد أن الفيروس دخل محمولاً على "فلاشة USB" ملوثة، وضعها موظف أو مهندس (ربما دون علمه) في أحد الحواسيب الداخلية.
بمجرد التوصيل، انطلق "الوحش الرقمي" ليبحث عن هدفه بدقة جراحية.
-عبقرية التدمير: الفيروس الذي يخدع الحواس
لم يكن Stuxnet مجرد فيروس يمسح ملفات، بل كان "مهندساً" خبيثاً:
-الصبر الاستراتيجي: ظل الفيروس صامتاً لأسابيع، يراقب ضغط الغاز وسرعة الدوران، ليفهم كيف تعمل المنظومة تماماً.
-التلاعب القاتل: بدأ برفع سرعة الأجهزة لدرجة التلف، ثم خفضها فجأة. هذا "التأرجح" كسر الأجهزة ميكانيكياً.
-الخداع البصري: بينما كان يدمر الأجهزة، كان يرسل إشارات مزيفة لغرف التحكم تُظهر أن كل شيء مستقر، ليمنع المهندسين من التدخل حتى يفوت الأوان.
-لحظة الانكشاف: بصمات الدول لا الأفراد
عندما تم اكتشاف الفيروس لاحقاً، ذُهل خبراء الأمن الرقمي. الكود كان معقداً لدرجة لا يمكن لعصابة هاكرز برمجته؛ كان يحتاج لمختبرات، تجارب على أجهزة حقيقية، وتمويل بملايين الدولارات.
أشارت أصابع الاتهام إلى تعاون سري بين الولايات المتحدة وإسرائيل (عملية الألعاب الأولمبية).
لم يعترف أحد، لكن النتيجة كانت واضحة: تعطيل 1000 جهاز طرد مركزي وتأخير البرنامج النووي الإيراني لسنوات، بضغطة زر واحدة ومن مسافة آلاف الأميال.
-عصر "القنبلة الرقمية"
أثبت Stuxnet أن العالم تغير للأبد. لم تعد بحاجة لجيوش لاحتلال أو تدمير منشآت عدوك؛ يكفي أن تجد ثغرة في نظامه الرقمي.
لقد انتهى زمن الحروب التقليدية، وبدأ زمن "الحروب الصامتة" حيث القاتل والضحية يفصل بينهما شاشة وحفنة من الأكواد.