في موسمٍ تتكدس فيه الحكايات وتتشابه الرهانات، يأتي مسلسل "عين سحرية" ليذكرنا بحقيقة قديمة يعرفها كل من اقترب من صناعة الدراما: ليس النص وحده ما يصنع المعجزة، ولا الإخراج وحده ما ينقذ عملًا مترنحًا، بل تلك الكيمياء النادرة حين يتفاعل سيناريو متماسك مع رؤية إخراجية واعية، فينتج عملًا يبدو كأنه يرى ما لا نراه نحن. كم من نص جيد أُفسد على الشاشة، وكم من حكاية عادية تحولت بين يدي مخرج موهوب إلى تجربة استثنائية.
أما هنا تحديدًا، في "عين سحرية"، فنحن نشهد تلك اللحظة النادرة التي يحدث فيها هذا التفاعل، وينسجم السيناريو والحوار مع صنيع بصري جيد، فتتحول الدراما إلى ما يشبه العين الثالثة التي تكشف طبقات المعنى وتضاعف جماله.
ما فعله المخرج سدير مسعود، حتى الآن، من خلال سيناريو هشام هلال، يجعل المسلسل تجربة تراهن على الغموض بوصفه أداة سرد، وعلى الصراعات النفسية بوصفها محركًا دراميًا أعمق من مجرد الحدث الظاهري.
العمل الذي ينافس به عصام عمر كنجم صاعد في سباق رمضاني محتدم، لا يكتفي بتقديم حكاية مشوقة، بل ينسج عالماً تتقاطع فيه الحقيقة بالوهم، واليقين بالشك، ليضع المشاهد في حالة ترقب دائم، كأنه هو الآخر جزء من اللعبة البصرية والنفسية التي يلمّح إليها العنوان ويفتح بابها منذ اللحظة الأولى.
"عين سحرية" عنوان لا يمر مرورًا عابرًا، فهو يحيل منذ اللحظة الأولى إلى تيمة الرؤية: من يرى؟ ماذا يرى؟ وهل ما نراه هو الحقيقة أم انعكاسًا لرغباتنا ومخاوفنا؟ هنا يتبدى الذكاء الدرامي في اختيار مفهوم "العين" بوصفها أداة معرفة وأداة تضليل في آن واحد، فالعين قد تكون كاشفة، لكنها أيضًا قد تكون مخدوعة، سحرية بمعنى أنها تمنحنا إحساسًا بالقوة، أو مسحورة بمعنى أنها واقعة تحت تأثير قوى خفية، نفسية كانت أو اجتماعية.
ما أقوله ليس نوعًا من "الفزلكة"، بل محاولة لقراءة هذا التلاعب الدلالي الذي ينعكس على البناء الدرامي، حيث تتصاعد الأحداث عبر طبقات من الأسرار التي تنكشف ببطء، لا عبر صدمات فجائية فقط، بل عبر تحولات داخلية تصيب الشخصيات وتعيد تشكيل وعيها بذاتها.
من هذه النقطة وتحت مجهر الدراما النفسية، يبرز المسلسل كأحد أكثر الرهانات جرأة في الموسم الرمضاني، إذ يتجاوز كونه مجرد عمل تشويقي ليتحول إلى تشريح بصري وفلسفي لمفهوم "المراقبة".
في هذا العمل، لا تقف "العين السحرية" كأداة في باب يفصل بين الداخل والخارج، بل تتحول إلى استعارة كبرى للتلصص على الذات الإنسانية في أكثر لحظاتها ارتباكًا.
الخصوصية هنا ليست حقًا مضمونًا، بل مساحة مهددة دومًا، كأن الجميع يراقب الجميع، أو يخشى أن يكون مراقبًا.
هنا أيضًا يجد عصام عمر نفسه أمام تحدٍ مزدوج: أن يثبت حضوره في موسم مكتظ بالنجوم، وأن يقنع المشاهد بتعقيد الشخصية التي يؤديها ، فالأعمال القائمة على الغموض والصراعات النفسية لا تعتمد على الأداء الانفعالي العالي فحسب، بل على التفاصيل الدقيقة: نظرة مرتابة، صمت ثقيل، ارتباك محسوب.
النجاح هنا لا يقاس بعدد المشاهد الصادمة، بل بقدرة الممثل على جعل المشاهد يتساءل معه، ويشك معه، وربما يخاف معه.
وإذا كان الموسم الرمضاني يميل أحيانًا إلى الإيقاع السريع والمباشر، فإن "عين سحرية" يغامر باللعب في منطقة أكثر تركيبًا، حيث التوتر ينبع من الداخل لا من المطاردات الخارجية وحدها. على هذا الأساس، يقدم عصام عمر أداءً يتسم بالعمق والهدوء الحذر، مبتعدًا عن نمط البطل التقليدي ليجسد شخصية محاصرة بين واقع ملموس وهواجس نفسية مشوهة.
حتى على مستوى الأداء الجماعي، يمكن القول إن المسلسل يستفيد من طاقته التمثيلية عبر توزيع المساحات بذكاء. فلا توجد شخصية زائدة عن الحاجة، ولا حضور يُستغل لمجرد ملء الفراغ.. كل خط سردي يخدم الفكرة الكبرى، وكل مواجهة تترك أثرًا يتردد صداه لاحقًا.
يعتمد المسلسل في بنائه الدرامي على تفتيت الحقيقة، فكلما اقترب المشاهد من فك لغز ما، تفتحت أبواب جديدة من التساؤلات، مما يجعل المتلقي شريكًا في الحالة النفسية التي يعيشها الأبطال. الصراعات هنا ليست مادية فحسب، بل "جوانية" تتغذى على الخوف من الانكشاف، حيث تصبح الخصوصية هي العملة الأندر في عالم يبدو وكأن الشك فيه هو القاعدة لا الاستثناء.
الرهان الأساسي للعمل يكمن في قدرته على إدارة الغموض دون الوقوع في فخ الإبهام ، فثمة فارق دقيق بين أن تثير فضول المشاهد وأن تربكه بلا طائل. المسلسل، وفق هذا كله، يختار أن يوزع مفاتيحه السردية بحساب، فيترك إشارات صغيرة مبكرة تتكشّف دلالتها لاحقًا.
هذا النوع من الكتابة يفترض احترامًا لذكاء الجمهور، ويمنحه متعة المشاركة في فك الشيفرة، بدلاً من تلقي الأحداث بشكل خطي تقليدي.
مع ذلك، يمكن تسجيل ملاحظة نقدية تتعلق ببعض الإطالات في مشاهد معينة كان يمكن تكثيفها دون الإخلال بالمناخ العام، خاصة في منتصف الحلقات حيث يهدأ الإيقاع قليلًا لصالح التحليل النفسي المطوّل.
أما على مستوى الصراعات النفسية، فأنه لا يتعامل معها بوصفها زخرفة درامية، بل كجوهر الحكاية. الشخصيات لا تواجه خصومًا خارجيين فقط، بل تواجه ماضيها، مخاوفها، وهواجسها. هنا، يتحول الصراع إلى سؤال وجودي: هل الإنسان أسير ما يراه أم ما يتخيله؟ هل الحقيقة موضوعية أم مشروطة بزوايا الرؤية؟ هذه الأسئلة تمنح المسلسل بعدًا فلسفيًا غير معلن بشكل مباشر، لكنه حاضر في خلفية المشاهد والأحداث، ويجعل التلقي تجربة تفكير بقدر ما هو تجربة متابعة.
من الناحية البصرية، فإن هناك عناصر كثيرة تسهم في تكريس أجواء الغموض: الإضاءة المعتمة، الزوايا الضيقة، المرايا، والانعكاسات، كلها أدوات تتحول إلى لغة موازية للنص. تصبح الكاميرا عينًا أخرى، ربما أكثر سحرًا من أعين الشخصيات نفسها.
يحسب للمخرج أنه تخلّى عن الإبهار المجاني، وفضّل بناء صورة متماسكة تخدم الدراما.
هذا التماسك الجمالي يعزز التأثير النفسي، ويجعل العمل يراهن على عقل المشاهد بقدر ما يراهن على انفعاله.
نحن أمام عمل لا يستهدف التسلية اللحظية بقدر ما يستهدف ترك أثر طويل الأمد وتساؤلات لا تنتهي بانتهاء التتر.
تقييمي النقدي، بعد متابعة عدد من حلقاته الخمسة عشرة، فإن "عين سحرية" نجح بنسبة كبيرة في تثبيت أقدامه كعمل مختلف داخل السباق الرمضاني، مستندًا إلى رؤية إخراجية واضحة وأداء تمثيلي منضبط ونص يحترم ذكاء المتلقي. قد لا يكون عملًا جماهيريًا بالمعنى التقليدي القائم على الإثارة المتلاحقة، لكنه بالتأكيد عمل نوعي، يراكم قيمته مع كل حلقة، ويكسب رهانه الأساسي: أن يجعلنا نعيد النظر في ما نراه، وفي الطريقة التي نراه بها.
مسلسل يطرح سؤال الرؤية بوصفه سؤالًا دراميًا وإنسانيًا في آن: ماذا لو كانت الحقيقة ليست ما نراه، بل ما نخشى أن نراه؟..
وإذا أردنا توسيع الدائرة النقدية قليلًا، يمكن قراءة "عين سحرية" ضمن سياق تحولات الدراما العربية في السنوات الأخيرة، حيث بدأ الاهتمام يتجه تدريجيًا من الحكايات ذات الصراع الخارجي الصاخب إلى عوالم أكثر التباسًا وتعقيدًا نفسيًا. لم يعد البطل هو ذاك الذي يخوض معركة واضحة المعالم ضد خصم محدد، بل أصبح يعيش معركة داخلية، يتشظى فيها بين صورته أمام الآخرين وصورته أمام نفسه. هذا التحول يعكس تغيرًا في ذائقة الجمهور نفسه، الذي بات أكثر انجذابًا إلى الأعمال التي تطرح أسئلة بدل أن تقدم إجابات جاهزة.
في "عين سحرية"، لا تُبنى الدراما على فكرة الخير المطلق في مواجهة الشر المطلق، بل على مساحات رمادية واسعة، حيث يمكن لكل شخصية أن تكون ضحية وجلادًا في الوقت ذاته. هذه المنطقة الرمادية هي ما يمنح العمل ثقله الإنساني ، فلا أحد بريء تمامًا، ولا أحد مدان بالكامل.
حتى لحظات المواجهة لا تأتي بصيغة انتصار حاسم، بل ككشف تدريجي للهشاشة الإنسانية ، وهذا ما يجعل المسلسل أقرب إلى دراسة سيكولوجية مطوّلة منه إلى حكاية تشويق تقليدية.
كل ما يخص مسلسلات رمضان 2026.. اضغط هنا للدخول إلى بوابة دراما رمضان 2026