مع بداية الحلقات قدم لنا مسلسل رأس الأفعى خلطة غير مسبوقة، في مثل هذه النوعية من المسلسلات القائمة على أحداث حقيقية؛ عما تعرضت له مصر من مخططات للتدمير من خلال الجماعة الإرهابية، وهنا كان المتوقع مشاهد توتر وأعمال عنف ومطاردات قوية، وأكشن مستمر، لكن ما شاهدناه كان مختلفًا، بوجهة نظر من صناع العمل، لتكون الرسالة أكثر وضوحًا، فالقضية المطروحة ليست مجرد مطاردة أمنية لإحباط محاولات إرهابية أو القبض على مجرم، وإنما بناء سردي يضع القضية بتفاصيلها أمام أعين المشاهد بوصفها صراعًا ممتدًا منذ عقود بين رأس مدبر، أيًّا ما كان اسمه، وزمنه سواء سيد قطب الذي ظهر في مشهد فلاش باك، أو محمود عزت القائم بالأعمال، فنحن في نهاية المطاف أمام رأس هي المحرك الأساسي للشر، في مقابلة دولة بمؤسساتها وأجهزتها وشعبها، لذلك كان هدوء البداية والتفاصيل الدرامية للأحداث والشخصيات مبررًا وأكثر عمقًا.
أكثر ما يميز العمل هو عنوانه، البوابة التي نعبر من خلالها للخيال الدرامي، ورأس الأفعى هو العنوان الذي يعبر وبشدة عن العمل، وبرمزية واضحة عن الشخصية الرئيسية، فالرأس تعني مركز القيادة والعقل المدبر، أما الأفعى فهي الشر الكامن في الخفاء، والحركة في الظل والضربة المفاجئة بعد أن تستقر الضحية تمامًا، والسم الذي يخرج منها لينتشر في الجسم كله فيتسمم ثم يموت، وهنا مبرر جديد للدراما، نحن بصدد مواجهة ليست مع الجماعة أو أطراف منها متباعدين، إنما مع الجذور نفسها ومنبع الشر ذاته.
استخدام تقنية الفلاش باك في بداية الأحداث لم يأتِ باعتباره عودة لتفاصيل، بل كأداة لتأصيل الصراع، فالماضي يخبرنا أن للمواجهة بعدًا تاريخيًا، والصراع قائم منذ إنشاء الجماعة، وما يحدث اليوم هو نتيجة تراكم ممتدلسنوات، وهنا نجح صناع العمل وبجدارة في استخدام تقنية الفلاش باك لخدمة الدراما دون مماطلة أو مبالغة أو مباشرة تحوله لخطاب إنشائي، فكان في مكانه الصحيح وبتوقيت منضبط وإيقاع هادئ متزن.
اختار صناع العمل أن تكون الحلقة الأولى بمنطق “السباق مع الزمن”، وكان قرارًا صائبًا تمامًا، خاصة مع هذه القضية، فالشعب المصري لم يعد بحاجة للتمهيد أو الشرح، خاصة في هذه القضية، فقد عرفنا جذورها وعايشنا حاضرها، ونحن الآن نعلم ما خلفته لنا من إرث القبح والوحشية والجهل، لم نعد بحاجة إلى مقدمات، لذلك دخل صناع العمل إلى الحدث مباشرة، خطر داخلي وخارجي، مجرم يحاول الهروب على متن طائرة، وآخر يحاول تفجيرًا في خط المترو، وكلاهما في مواجهة رجال الأمن، مثلهما كل من الممثل الكبير أمير كرارة والنجم الصاعد أحمد غزي، وكلاهما قدما نفس الأداء وكأنهما شخص واحد، قوة، هدوء، ثبات، وعي بالخطر، وقرارات سريعة يجب أن تُحسم حفاظًا على الأمن، وهو ما قدمه الممثلون وبقوة.
كل ما يخص مسلسلات رمضان 2026.. اضغط هنا للدخول إلى بوابة دراما رمضان 2026