محمود عزت وعقدة «المقامرة».. كواليس إدارة أفعى الإخوان لمشهد ما قبل الانفجار.. استراتيجية الظل والانتظار.. وهندسة «الخطة البديلة» فى أيام هزت مصر

الأربعاء، 18 فبراير 2026 03:34 م
محمود عزت وعقدة «المقامرة».. كواليس إدارة أفعى الإخوان لمشهد ما قبل الانفجار.. استراتيجية الظل والانتظار.. وهندسة «الخطة البديلة» فى أيام هزت مصر القيادي الإخواني محمود عزت القائم بأعمال المرشد العام لجماعة الإخوان الإرهابية

كتب: محمد أبو ضيف

محمود عزت وعقدة "المقامرة".. كواليس إدارة أفعى الإخوان لمشهد ما قبل الانفجار

خريف التنظيم وفجر الميدان.. كيف حاول محمود عزت كبح جماح الإخوان قبل 25 يناير؟

استراتيجية الظل والانتظار.. محمود عزت وهندسة "الخطة البديلة" في الأيام التي هزت مصر

 

نستكمل معكم اليوم فتح الصناديق السوداء للقيادي الإخواني محمود عزت، ذلك الرجل الذي لم يكن مجرد كادر في جماعة، بل كان "العقل المشفر" واليد الثقيلة التى تدير مفاصل التنظيم من عتمة الظل.

ومع إشراقة عام 2011، لم يكن العالم يدرك أن زلزالاً سياسياً على وشك الحدوث، لكن في غرف مغلقة بالقاهرة، كان محمود عزت، الملقب بـ "الرجل الحديدي"، ينسج خيوطاً معقدة من الحذر والتوجس، واضعاً نصب عينيه هدفاً واحداً لا يحيد عنه: الحفاظ على جسد التنظيم مهما كان الثمن، حتى لو كان الثمن هو الانعزال عن نبض الشارع المصري الذي بدأ يغلي فوق فوهة بركان.

في الفترة من الأول من يناير وحتى العشرين منه، كانت مصر تعيش حالة من السيولة المرتبكة، وبدأت نبرة الغضب تتصاعد في أوساط الشباب والقوى المدنية الذين دعوا للتظاهر في "يوم الشرطة"، احتجاجاً على ما زعموه بعقود من ممارسات الداخلية التي بلغت ذروتها في حادثة خالد سعيد.

وفي تلك الأثناء، كان محمود عزت ينظر إلى هذا الحراك بعين "التنظيمي الصرف" وليس بعين "الثائر الوطني". بالنسبة لعزت، لم تكن الدعوات للتظاهر تمثل فرصة للتحرر، بل كانت تمثل "مخاطرة كبرى" قد تطيح بكل ما بناه وحصنه طوال عام 2010.

كان الرجل يخشى بمرضية واضحة أن يؤدي الانخراط المبكر والعلني في تظاهرات غير مضمونة النتائج إلى صدام مباشر مع النظام، وهو الصدام الذي قد ينتهي بتصفية بنية الجماعة وقواعدها، لذا كانت أوامره صارمة باتخاذ موقف "الضبابية المتعمدة" والتردد المدروس.

لقد أدار محمود عزت في تلك الأسابيع الأولى مشاورات داخلية مغلقة بأسلوب يغلب عليه منطق "التحين" واقتناص الفرص، بدلاً من منطق "المشاركة" والتضحية.

كانت استراتيجيته تقوم على مراقبة الخصوم والشركاء معاً من خلف الستار، بانتظار اللحظة التي ينهك فيها الطرفان ليظهر هو كمنقذ أو كبديل وحيد. ومع توالي الأنباء من تونس الخضراء، ونجاح الثورة التونسية في الرابع عشر من يناير بفرار زين العابدين بن علي، انتقلت شرارة الأمل والعدوى إلى الشارع المصري بصورة لم تكن في حسابات أكثر أجهزة الأمن حذراً، ولم تكن أيضاً في حسابات عزت.

حين ارتفع سقف طموحات الشباب المصري، وبدأ الضغط يتصاعد من داخل القواعد الشبابية لجماعة الإخوان بضرورة اللحاق بالركب الشعبي، لم يتزحزح محمود عزت عن موقفه المتوجس.

لقد ظل متمسكاً بـ "فرامل" التنظيم بكل قوته، إذ كانت التقارير التي تصله تثير لديه هواجس دفينة بأن الدعوة ليوم 25 يناير قد تكون "فخاً أمنياً" محكماً تم نصبه لاستدراج الجماعة إلى العلن ثم الانقضاض عليها وقطع رؤوسها التنظيمية.

وبناءً على هذه الرؤية المنغلقة، خرج قرار مكتب الإرشاد، الذي كان عزت مهندسه الحقيقي، بـ "عدم المشاركة الرسمية"، مع منح هامش مناورة ضيق عبر السماح للشباب بالمشاركة الفردية والرمزية. كان هذا الموقف بمثابة إمساك بالعصا من المنتصف، وهي اللعبة المفضلة لعزت؛ فإذا نجح الحشد كان الإخوان حاضرين "بأفرادهم"، وإذا فشل وسحق النظام المتظاهرين، تظل الجماعة كمؤسسة بعيدة عن المقصلة.

في الأيام الأخيرة السابقة لليوم الحاسم، وتحديداً من 21 إلى 24 يناير، بلغت حالة الاستنفار في القاهرة ذروتها، وكان نشطاء "الإنترنت" والقوى السياسية يضعون اللمسات الأخيرة على خارطة النزول.

في المقابل، كان محمود عزت يعكف في مخبئه التنظيمي على وضع "الخطة البديلة". لم تكن الخطة تهدف إلى إنجاح الثورة، بل كانت تهدف إلى "تأمين التنظيم". كان تفكيره يدور حول كيفية القفز على المشهد وتصدره في حال أثبت الشارع قدرته على هز عرش مبارك، وفي الوقت نفسه، بناء حواجز دفاعية تحمي القيادات في حال انكسار الموجة الثورية.

بالنسبة لعزت، لم تكن الدماء التي قد تسيل أو الأحلام التي قد تتحقق هي الأولوية، بل كان "جسد الجماعة" هو المقدس الذي لا يجوز القمار به في مراهنة سياسية غير مأمونة العواقب.

إن المتأمل في تلك الفترة بعيون الحاضر، يكتشف بوضوح أن تلك الأيام كانت ساحة صراع كبرى بين ثلاث إرادات متباينة؛ إرادة شعب قرر أخيراً تحطيم جدران الخوف واليأس، وإرادة نظام تآكلت شرعيته وأصيب بالشيخوخة والجمود، وإرادة تنظيم سري يقوده رجل مثل محمود عزت، كان يرى في الوطن مجرد "غنيمة مؤجلة" وفي حراك الجماهير "أداة ضغط" لتحسين شروط التفاوض مع السلطة، لا غاية سامية للتحرر والكرامة.

لقد انتهت ساعات يوم 24 يناير ومصر تقف على حافة تغيير جذري، بينما كان محمود عزت غارقاً في حساباته الرياضية الجافة، غير مدرك أن طوفان الشارع الذي سيبدأ غداً سيكون أسرع بكثير من قدرة "أفعى الإخوان" على المناورة، وأن التاريخ بصدد كتابة فصل جديد لم تكن الغرف المغلقة قادرة على التنبؤ به أو السيطرة على مساراته.

بهذا ننهي قراءة هذه المرحلة التي سبقت الانفجار، لنرى في الحلقات القادمة كيف واجه "الرجل الحديدي" عاصفة الميادين التي لم يحسب لها حساباً.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة