واحد من الأفلام المهمة التي عُرضت في المسابقة الرسمية في الدورة الـ76 من مهرجان برلين السينمائي هو فيلم «Everybody Digs Bill Evans» من إخراج البريطاني جرانت جي، وسيناريو مارك أوهالوران، والمقتبس عن رواية «استراحة» (2013) للكاتب أوين مارتل. ينتمي الفيلم إلى دراما السيرة الذاتية ذات الطابع الموسيقي، ويقوم ببطولته الممثل النرويجي أندرس دانيالسن لي في دور بيل إيفانز، ويشاركه البطولة باري وارد في دور شقيقه هاري.
يتناول العمل فترة محددة من حياة بيل إيفانز، أحد أشهر عازفي الجاز في أمريكا، وتنبع أهمية الفيلم ليس فقط من جمالياته البصرية، ولكن من الطريقة التي صاغ بها مارك أوهالوران السيناريو، مقدمًا نموذجًا شديد التميز لكيفية صناعة فيلم سيرة ذاتية. لا يتناول الفيلم حياة بطله من لحظة الميلاد إلى الوفاة، بل يختار واحدة من أقسى اللحظات التي شكّلت نقطة تحوّل في حياته، وهي وفاة سكوت لافارو، صديقه ورفيق الرحلة في فرقته الموسيقية وعازف الكونترباص، عام 1961.
يختار الفيلم بضعة أشهر من الحزن العميق الذي أفقد إيفانز القدرة على الإبداع، ليكشف من خلالها، وبشكل شديد التركيز والتكثيف، مسيرة كاملة من التوتر العائلي، والتراجع الإبداعي، والإدمان، والمرض، وعبقرية الموهبة. تلك الطريقة في السرد الدرامي والسينمائي منحت العمل طابعًا شديد التفرد، بعيدًا عن طرق السرد التقليدية في دراما السير الذاتية، التي تميل غالبًا إلى الاستعراض الزمني الكامل لحياة البطل.
وتبدأ أحداث الفيلم من حفل «Sunday at the Village Vanguard» وصولًا إلى خبر الحادث المأساوي، فيرسم منذ البداية مسار العمل: من قمة التألق إلى دائرة من الفراغ والإحباط يدور فيها إيفانز. بعدها يتولى الشقيق الأكبر هاري (باري وارد) محاولة إنقاذ بيل من عزلته وإدمانه، فيأخذه إلى بيته.
تلك اللحظة المحمّلة بالأسى تعكس توقف الزمن في حياة بيل بعد حادثة السيارة المأساوية لصديقه، حيث بدأ كل شيء في الانهيار: اضطرابات نفسية، رحلة مع الإدمان، وعدم القدرة على الإبداع والعزف. والسيرة الصاخبة قد يراها البعض أكثر إغراءً على مستوى السرد الدرامي من محاولة الاقتراب من سرّ الموهبة نفسها، إلا أن سيناريو مارك أوهالوران، تحت إدارة جرانت جي الإخراجية، ذهب إلى خيار شديد الصعوبة في سرد سيرة بيل، وهو ترجمة عذابات صاحب تلك الموهبة الفريدة إلى لغة بصرية شديدة النعومة، وكأنها تحاكي إيقاع موسيقاه، بعيدًا عما شهدته حياته من تغيرات عنيفة.
التصوير بالأبيض والأسود، ومشاهد قليلة جدا بالالوان تم توظيفها بعناية مع التباين الحاد مع الابيض وال الاسود وهو ما يجعلنا نستدعي عالم موسيقى. الجاز بكل تفاصيله ويعزز الإحساس بالعزلة والاختناق. جماليات الصورة التي صنعها المخرج لا تجعل المشاهد يشعر بالفارق في مواقع التصوير، حيث صُوّر الفيلم في أيرلندا وجاءت مشاهده لتحاكي تمامًا أجواء نيويورك وفلوريدا في ستينيات القرن الماضي.
والمدهش أن جرانت جي، القادم من عالم الوثائقيات، يقدم هنا فيلمًا شديد الشاعرية، يحفل بالكثير من الجماليات بما يتناسب مع عالم الموسيقى، وتحديدًا موسيقى الجاز في ستينيات القرن الماضي، وبعيدًا عن الروح التسجيلية المباشرة. انسجام الرؤية الإخراجية مع البناء الدرامي الذي صاغه أوهالوران منح العمل وحدة نغمة واضحة، وتوازنًا بين الإيقاع البصري والتوتر النفسي.
الفيلم يحفل بالكثير من تفاصيل حياة إيفانز، حتى علاقاته بأسرته، شقيقه ووالديه، حين ذهب إليهما بعد أن طلب منه شقيقه ذلك في محاولة للعلاج من الإدمان. تلك الرحلة إلى منزل والديه في فلوريدا، والإقامة معهما، كشفت بحساسية شديدة طبيعة العلاقات داخل الأسرة؛ غيرة شقيقه منه، ليس ذلك فقط، بل ووالده أيضًا، فكلاهما كان يطمح أن يكون موسيقيًا معروفًا، وانتهى الحال بالشقيق مدرسًا للموسيقى، بينما يعيش الأب في فلوريدا ما بين حديقته وأصدقائه.
رحلة الاستشفاء تلك قدمها جرانت جي بحساسية عالية، وكان واحدًا من أجمل مشاهد الفيلم ذلك المشهد الذي يصغي فيه الوالدان سرًا إلى عزف ابنهما في الغرفة المجاورة بعد أن يستعيد قدرته على العزف؛ لحظة سحرية نادرة، رغم أنهما يشفقان عليه من عذابات الموهبة التي يدركانها تمامًا.
الممثل النرويجي أندرس دانيالسن لي، الذي جسّد دور إيفانز، يقدم واحدًا من أهم أدواره، ما يجعله ينافس بقوة على جائزة أفضل ممثل. أداء شديد التميز يوظف فيه نبرة الصوت، ولغة الجسد التي تبدو في حالة انكماش، وكأنه يخشى مواجهة نفسه قبل العالم، إضافة إلى نظراته الشاردة التي تعكس حجم المعاناة النفسية. أداؤه قائم على الصمت والانكماش أكثر من الانفعالات الصاخبة، وهو ما انعكس على إيقاع الفيلم الذي يحمل قدرًا كبيرًا من التأمل في مسيرة فنان صاحب موهبة استثنائية، لكنه يملك روحًا شديدة الهشاشة.
فيلم «Everybody Digs Bill Evans» ليس فيلمًا عن نجم جاز بقدر ما هو تأمل في هشاشة تلك الروح لواحد من أساطير الموسيقى، والضريبة التي دفعها من حياته الشخصية واستقراره العاطفي، حيث تتحول العبقرية إلى عزلة، والموسيقى إلى ملاذ أخير من عالم لا يحتمل تلك الحساسية المفرطة.
ويعد الفيلم واحدا من التجارب الفنية الملهمة.
.jpeg)
مهرجان برلين السينمائي
.jpeg)
مهرجان برلين السينمائي
.jpeg)
مهرجان برلين السينمائي
.jpeg)
عزف موسيقى الجاز