كانت الساعة الخامسة والنصف مساء 17 فبراير، مثل هذا اليوم، 1945، حين بدأ اجتماع الملك فاروق مع رئيس الوزراء البريطانى «تشرشل» فى زيارته لمصر، وكان سيلتقى خلالها مع الملك فاروق والعاهل السعودى الملك عبدالعزيز بن سعود، والرئيس السورى شكرى القوتلى، حسبما يذكر السفير البريطانى فى مصر «لامبسون» أو «اللورد كيلرن» فى الجزء الثانى من مذكراته «مذكرات اللورد كيلرن»، ترجمة الدكتور عبدالرؤوف أحمد عمرو.
جرت الزيارة بعد حضور تشرشل مؤتمر «يالطا» الذى رتب شؤون ما بعد الحرب العالمية الثانية بين الحلفاء الكبار الثلاثة، أمريكا، والاتحاد السوفيتى، وبريطانيا، وفقا للكاتب الصحفى محمد حسنين هيكل فى كتابه «سقوط نظام»، مشيرا إلى أن الرئيس الأمريكى روزفلت فعل نفس الشىء حيث جاء على ظهر الطراد «كوينسى» إلى البحيرات المرة وسط مجرى قناة السويس ليقابل الملك «عبدالعزيز بن سعود»، والملك فاروق، ويضيف: فى ذلك السباق نحو مصر بين «روزفلت» و«تشرشل» كان باديا أن الشرق الأوسط أصبح ساحة من أهم ساحات المستقبل.
يكشف «هيكل»، عن سجل محضر اللقاء بين فاروق وتشرشل فى محفوظات مجلس الوزراء البريطانى يحمل رقم 801، وفيه أن الاجتماع حضره «تشرشل» ووزير خارجيته «أنتونى إيدن»، والسفير البريطانى فى مصر «اللورد كيلرن»، ومن مصر حضر الملك فاروق وحده بدون رئيس وزرائه أو رئيس ديوانه أو أى مرافق لتسجيل محضر المقابلة.
تناول الاجتماع عدة قضايا، يتطابق «هيكل» فى كتابه «سقوط نظام»، ولامبسون أو اللورد كيلرن» فى ذكرها، تصدرها قيام فاروق بإقالة حكومة مصطفى النحاس فى أكتوبر 1944، وتشكيل حكومة جديدة برئاسة أحمد ماهر باشا، وحسب «كيلرن» فإن المحادثات استغرقت نحو الساعة ونصف الساعة، وبدأها تشرشل بحديثه إلى فاروق عن تغيير الوزارة الوفدية، وأجاب فاروق، بأنه يشعر براحة نفسية نتيجة هذا التغيير، وسوف لا يلجأ إلى أى تغيير وزارى آخر لمدة طويلة، وقال إنه توجد هناك كثير من المناسبات باعتبارى مصرى أشعر فيها بمرارة نتيجة تصرفنا وسلوكنا فى ظل حكومة النحاس.
يضيف كيلرن، أن تشرشل استنكر بشدة القرار الخاص بمحاكمة النحاس، فأجاب فاروق قائلا: «إن الغلطة الكبرى التى ارتكبها النحاس تندرج تحت بند الخيانة العظمى، ولذلك فإننى أتكلم بصراحة، وبرغم ما حدث فإننى لا أؤيد هذا الاتجاه، وأضاف فاروق، أنه علم من الحكومة الحالية أنها اكتشفت كثيرا من التجاوزات وسوء تصرف الحكومة السابقة مما يستدعى مساءلتهم، ويذكر «كيلرن»: «عند هذا الحد من الحديث فتر حماس تشرشل ولم يتابع الموضوع بحماس، ولكنه لم يترك أى شك قد يساور فكر الملك فاروق بأن مضايقة النحاس قد تمر بسلام، وتثير حفيظة إنجلترا».
تناولت المناقشات قضايا أخرى كانضمام مصر إلى الأمم المتحدة، والأوضاع الاجتماعية فى مصر، ويذكر «كيلرن»، أن تشرشل أخبر الملك فاروق أنه مطلوب منه أن يتخذ نهجا حاسما لتحسين الأوضاع الاجتماعية فى مصر، إذ أكد بشكل قاطع أن العالم ينقسم إلى مجموعتين، غنية وفقيرة وبشكل واضح فإن الفرصة قد أصبحت مواتية للملك ليهتم برفع مستوى المعيشة لشعبه، وسأل «تشرشل» الملك: لماذا لا تأخذ من الباشوات الأغنياء بعضا من ثرواتهم وتوزعها، بحيث ترفع من مستوى الفلاحين.
يؤكد كيلرن، أنه جرى حديث طويل حول ذلك مع فاروق الذى رد بأن ما قاله تشرشل حول الأوضاع الاجتماعية هو ما يعتقده على وجه التحديد، وما يشعر به ويدركه يقينا باستمرار، ولكن من الطبيعى أن هذه المسألة هى من اختصاص البرلمان من خلال حكومته، ولكنه مقتنع تماما بضرورة تنفيذ ذلك، ويعلق كيلرن: «تناول تشرشل هذه الموضوعات بنوع من الحماس والتأكيد على الملك فاروق».
يذكر «كيلرن» أن الرئيس السورى شكرى القوتلى كان ينتظر فى القاعة المجاورة، وأنه حاول شخصيا التدخل بهدوء لإنهاء الجلسة بسؤال الملك فاروق عما إذا كان يرغب فى إنهائها، وأجاب الملك أنه يود أن يستمر فى حديثه لوقت أطول، وخرج أنتونى إيدن لمقابلة القوتلى وتهدئته من قلقه لطول انتظاره.
يضيف «كيلرن» أنهم بعد انتهاء الاجتماعات وتناول العشاء، تسلموا الهدايا الثمينة التى قدمها الملك عبدالعزيز بن سعود، وكانت عبارة عن خاتم جميل محلى بجوهرة حقيقية ومجموعة هدايا أخرى عبارة عن سيف محلى بالجواهر، وخنجر مطعم بفصوص وقطع من الماس تفوح منه رائحة زكية وبه قطعة من الكهرمان وتميمة أفريقية غريبة، ومجموعة من القنينات الصغيرة الحجم تحتوى على عطر نادر، ثم قنينة كبيرة مملوءة بعطر الورد وصندوق مملوء بالعباءات الرائعة، وقمنا بارتداء هذه الملابس العربية، وكم كان تشرشل سعيدا بمظهره بتلك الملابس العربية.