داخل أسوار أكاديمية الشرطة، لم يعد التدريب مقتصرًا على اللياقة البدنية أو العلوم النظرية فحسب، بل انتقل لمرحلة "صناعة الواقع" عبر مسارح جريمة تحاكي الطبيعة بكل تفاصيلها الدقيقة، حيث يجد طالب الأكاديمية نفسه أمام سيناريوهات حية تجبره على استخدام عقله وحواسه لفك طلاسم أعقد القضايا.
هذه المسارح التي صُممت باحترافية شديدة، تضع الضابط المستقبلي في قلب الحدث، ليتعلم كيف يستخلص خيطًا رفيعًا من وسط ركام الحوادث يقوده في النهاية إلى كشف هوية الجاني وتقديمه للعدالة.
وتعتمد هذه المنظومة المتطورة على تقنيات حديثة تدمج بين الواقع والذكاء الاصطناعي، حيث يتم تجهيز مسارح الجريمة لتبدو وكأنها شقة سكنية شهدت واقعة سرقة، أو شارعًا حدثت به مواجهة مسلحة، مع وضع أدلة جنائية مجهرية تتطلب دقة شديدة في الرصد.
ويتدرب الطلاب على كيفية "تحريز" المكان، والتعامل مع البصمات الخفية، ورفع الآثار الحيوية، واستخدام الأجهزة الرقمية التي تحدد زوايا إطلاق النيران أو المسارات التي سلكها المتهمون، مما ينمي لديهم مهارة "الحس الأمني" وربط الوقائع ببعضها البعض في زمن قياسي.
وشهدت الأكاديمية تطورًا تقنيًا هائلًا في هذا الصدد، حيث يتم تصوير وتحليل أداء الطلاب داخل هذه المسارح عبر غرف تحكم مركزية، لتقييم قدرتهم على استنباط النتائج من "مسرح الجريمة المعتم" أو القضايا التي تفتقر لوجود شهود عيان.
الهدف هنا هو تحويل الطالب من مجرد دارس لمواد القانون إلى "خبير جنائي" يمتلك أدوات تكنولوجية تمكنه من قراءة لغة الأدلة الصامتة، وهو ما يعكس الطفرة الكبيرة التي يشهدها جهاز الشرطة المصري في الاعتماد على العلم والبحث الجنائي الحديث لمواجهة الجريمة بشتى صورها.
إن هذه المسارح التدريبية تمثل حائط الصد الأول ضد الجريمة، فهي تصقل مهارات الضباط الصغار وتجعلهم قادرين على التعامل مع أعتى المجرمين وأكثرهم ذكاءً.
ومع كل سيناريو جديد يتم تنفيذه داخل الأكاديمية، تزداد ثقة هؤلاء الشباب في قدرتهم على حماية أمن المواطن، مؤكدين أن يد العدالة في مصر باتت تمتلك عقلًا تكنولوجيًا متطورًا لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها في سبيل الوصول للحقيقة.
.jpg)
مسارح محاكاة للجريمة بأكاديمية الشرطة
.jpg)
داخل مطبخ فك الألغاز بأكاديمية الشرطة
.jpg)
أكاديمية الشرطة