وسط أجواء مشحونة بـ عدم اليقين ، يختتم مؤتمر ميونيخ للأمن فعالياته اليوم، والتي انطلقت الجمعة، بمشاركة أكثر من 60 رئيس دولة وحكومة لمناقشة التهديدات العالمية .
طرح مؤتمر ميونيخ التهديدات التي يواجهها العالم حاليا، وأيضا محاولة صياغة رد أوروبى موحد على التهديدات الأمريكية والتي تُوصف بـ"الإعصار" الذى يهدد بتقويض أركان حلف الناتو.
المؤتمر بحث أيضاً التهديد السيبراني الروسي والتغلغل الاقتصادي الصيني، لكن الشاغل الأكبر هو كيفية الحفاظ على وحدة القارة إذا قررت واشنطن الانسحاب من التزاماتها التاريخية، كما أنه لا يعتبر مجرد قمة دبلوماسية، بل هي لحظة فطام قسرية لأوروبا، حيث يدرك الجميع أن الاعتماد على الحليف المتقلب أصبح انتحاراً استراتيجياً.
وأشارت صحيفة الكونفدنثيال الإسبانية إلى أن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، حاول في كلمته تجميل سياسات إدارة ترامب الجديدة ، ومع ذلك لم يفلح فى تبديد مخاوف القادة الأوروبيين الذين يرون فى تصريحات ترامب حول شراء جرينلاند، وردهن حماية الحلفاء بدفع الأموال، نوعا من الابتزاز السياسى، الذى لم تعد أوروبا قادرة على تحمله.
أزمة المياه على طاولة النقاشات
كما طرح مؤتمر ميونيخ للأمن أيضا أزمة المياه حول العالم، التي وصفها بأنها "لم تعد قضية تنموية فحسب، بل أولوية جيوسياسية وأمنية جوهرية" ، وحذر بيان صادر عن المؤتمر من أن نقص المياه يصبح عاملا مؤججا للصراعات، مشيرا إلى أن انعدام الأمن المائي يؤدي إلى نزوح وهجرة وأزمات إنسانية كما سلط البيان الضوء على تعرض أنظمة المياه للخطر بشكل متزايد، ودعا المؤتمر إلى التعاون المائي، واصفا إياه بـ"أداة فعالة للسلام والدبلوماسية".
ماذا قال الرئيس الأوكرانى أمام مؤتمر ميونيخ؟
ومن جانبه ، أكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في خطابه أمام مؤتمر ميونخ للأمن، أن غياب مشاركة قادة أوروبا في المفاوضات الجارية مع روسيا يعد "خطأ فادحا".
وأضاف: "نسعى جاهدين لإشراك أوروبا بشكل كامل في العملية، لضمان مراعاة مصالح أوروبا وسماع صوتها، ولأن السلام لا يبنى إلا على ضمانات أمنية واضحة، والتي من المتوقع أن تتحمل أوروبا العبء الأكبر منها".
وتشارك أوكرانيا في جولة أخرى من محادثات السلام مع الولايات المتحدة وروسيا هذا الأسبوع، والتي قال الرئيس الأوكراني إنه يأمل أن تكون "جادة" و"مثمرة"، إلا أنه أشار إلى أنه في كثير من الأحيان يبدو أن الأطراف المختلفة "تتحدث عن أمور مختلفة تماما".
وأضاف: "كثيرا ما يعود الأمريكيون إلى موضوع التنازلات، وغالبا ما تناقش هذه التنازلات في سياق أوكرانيا فقط". وتابع بقوله: "ستبذل أوكرانيا قصارى جهدها لإنجاح هذه المفاوضات. لقد استثمرنا في هذه العملية"، مضيفا أنه على "تواصل دائم" مع الفريق الأمريكي.
وبالنسبة للدعم المالى أكد زيلينسكي أن الدعم المالي الأوروبي عزز من قدرة أوكرانيا في اعتراض الصواريخ الباليستية الروسية، كما إن روسيا أطلقت خلال يناير الماضى أكثر من 6000 طائرة مسيرة و150 صاروخا و5000 قنبلة جوية موجهة على أوكرانيا، مشيرا إلى أن جميع محطات توليد الطاقة تضررت.
وأضاف زيلينسكي: "لا توجد محطة توليد كهرباء واحدة لم تتضرر من الضربات الروسية، لكننا ما زلنا ننتج الكهرباء".
وفقا للرئيس، فإن الدعم الأوروبي هو الذي يمكن أوكرانيا من الحصول على الوسائل اللازمة لاعتراض الصواريخ الباليستية الروسية، قائلا :"معظم صواريخ الدفاع الجوي القادرة على صد الصواريخ تصل إلينا بفضل برنامج بيرل PURL القائم بفضل أوروبا".
كما قدم الرئيس الأوكراني شكره للاتحاد الأوروبي على قرض بقيمة 90 مليار يورو لتمويل الاحتياجات العسكرية والمالية لأوكرانيا خلال العامين المقبلين.
ووصف القرض بأنه "ضمانة جدية للاستقرار المالي لأوكرانيا"، لكنه دعا إلى اتخاذ المزيد من الإجراءات لضمان استنفاد موارد الكرملين. وأشار إلى أن "روسيا لا تزال تتمتع بضمانات للاستقرار المالي"، منتقدا أسطول ناقلات النفط غير الرسمي الذي تستخدمه موسكو لمواصلة بيع النفط رغم العقوبات الغربية.
مطرقة التهديدات
هذا العام، تركزت الأنظار على وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، الذي يحمل غصن زيتون مشروط، فبينما يحاول روبيو طمأنة الحلفاء بخطاب هادئ يركز على الروابط الثقافية والتاريخية، فإنه لا يخفي أن العصر الذهبي للاتكال على أمريكا قد ولى، تصريحاته في ميونخ أكدت أن العالم يعيش حقبة جيوسياسية جديدة تتطلب من الجميع، وخاصة الأوروبيين، إعادة تقييم أدوارهم ومسؤولياتهم.
تحت مطرقة التهديدات الأمريكية بفرض رسوم جمركية أو الانسحاب من الالتزامات الدفاعية، يبدو أن القادة الأوروبيين بدأوا يرضخون للأمر الواقع. الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، أشار إلى حدوث تغيير جوهري في العقلية الأوروبية، حيث بدأت دول القارة بالفعل في زيادة ميزانياتها الدفاعية بشكل غير مسبوق.
لم يعد الإنفاق العسكري مجرد رفاهية أو استجابة لطلب أمريكي، بل أصبح ضرورة وجودية في ظل احتمالات تخلي واشنطن عن حماية القارة العجوز أو انشغالها بملفات أخرى مثل "غرينلاند" أو الصراع التجاري مع الصين. هذا التحول يعني أن عام 2026 قد يكون العام الذي تولد فيه أوروبا العسكرية فعلياً، بعيداً عن العباءة الأمريكية التقليدية.